الشباب في فكر الإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for الشباب في فكر الإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

 جعل الإمام عبد السلام ياسين قضية الشباب في صميم مشروعه التربوي والدعوي، كما بسط معالمه في كتابه المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا.  واعتبرهم محور التغيير في المجتمع، والقوة الأكثر فاعلية وحيوية داخله، والقوة المقتحمة. فأولاها اهتماما بالغا؛ تربية وتكوينا، احتضانا وإشراكا وتأهيلا.

لذلك خاطبهم خطاب المربي، لا خطاب السياسي، حيث يقول رحمه الله: “إننا بحاجة لبناء أمة، والشباب يكونون في مجتمعاتنا المفتونة جيشا من العاطلين الذين أسيء تعليمهم وتربيتهم. فإذا حصلوا بين أيدينا قبل قيام الدولة وبعده يجب أن نعدهم إعدادا جادا ليكونوا جند التحرير والبناء. ومتى حصرنا الشباب عن الحركة ولم نهيئ لهم مجالا لصرف نشاطهم خارج جلسات الأسرة انفجروا في حركية عنيفة تضطرب ولا تبني” 1.

انطلاقا مما سبق، يمكن معالجة الموضوع من خلال المحاور التالية:

– الشباب مادة الفتوة وقوة الاقتحام

اعتبر الإمام رحمه الله الشباب هم مادة الفتوة، ومحلّ قوة الاقتحام، كما جاء على لسانه في رسالة إلى الطالب والطالبة: “أنتم معشر الطلبة المسلمين والطالبات المسلمات الشباب مادة الفتوة وقوة الاقتحام” 2 على اعتبار أن الشباب هم من يملكون الجرأة على اقتحام العقبات.

فالفتوة هنا ليست مجرد حماس ثائر، بل هي طاقة ينبغي حسن توجيهها حتى تتحول إلى قوة تغييرية فاعلة. لذلك ألح على ضرورة تأطيرها بالتربية الإيمانية، حتى لا تنقلب إلى اندفاع ثائر.

– الفتوة في ميزان التربية الإيمانية

لا يختزل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله مفهوم الفتوة في القوة البدنية أو الحماس العاطفي، بل رفعه إلى مستوى الخلق الإيماني المتكامل. يقول في المنهاج النبوي: “نقصد بالفتوة كرم النفس الذي يدفع المؤمن للاستعلاء على الطاغوت، فيكسر الأصنام، ويبذل روحه في سبيل الله، ونقصد بها إلى جانب هذا الرفق مع المؤمنين، وخدمتهم، وتوطئة الكنف لهم” 3. فالفتوة عنده تركيب متوازن بين: القوة في مواجهة الباطل في غير عنف، وبين اللين والرحمة في غير خذلان ولا تقاعس وركون. وهذا التوازن هو الذي يصنع الشخصية المؤمنة المتكاملة؛ شجاعة في الحق، متواضعة مع الخلق، ثابتة على المبدإ، رحيمة بالناس. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف” رواه مسلم في الصحيح قوة في الحق لا بطش فيها، ورحمة بالخلق لا ضعف فيها.

– الاقتحام: طريق الشباب للتغيير الذاتي والجماعي.

يُعد مفهوم الاقتحام من المفاهيم المركزية في خطاب الإمام، وهو مفهوم قرآني جاء في قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (البلد: 11)، وهي دعوة ربانية للإنسان لاقتحام عقبة النفس والمجتمع، التي تحول دون عبادة الله على مستوى الفرد والجماعة، تربويا وسلوكيا، فردا وجماعة. فلا تغيير جماعي دون التغيير الفردي، والتغيير الفردي ناقص إن لم يقرن بالتغيير الجماعي. ويعتبر هذا التلازم من أعمدة التصور المنهاج التربوي عند الإمام؛ فلا إصلاح للأمة دون إصلاح الأفراد.  

والتغيير المطلوب ليس شعارا خارجيا، بل هو سير داخلي يبدأ من القلب، ثم يفيض على السلوك، ثم ينعكس على المجتمع. ولهذا كان الإمام رحمه الله يحذر من الانخراط في العمل الدعوي دون أساس تربوي، لأن ذلك يؤدي إلى اختلال في التوازن بين الظاهر والباطن. والشباب في هذه الفلسفة التغيرية البنائية هم اللبنة الصلبة التي تشد بنيان الاقتحام الجماعي.

– الشباب في التجربة الدعوية

لم تبق هذه الرؤية حبيسة الرؤية الفكرية والمشروع التنظيري للإمام، بل تجسدت عمليا داخل المشروع جماعة العدل والإحسان؛ حيث  يوجد الشباب في قلب المشروع التربوي والدعوي. لقد أولت الجماعة عناية خاصة بتربية الشباب على معاني الخصال العشر من قبيل: الصحبة والذكر والصدق والبذل والعلم والعمل. وما فتئ الإمام يؤكد على أن: تربية الرجال مقدمة على بناء المؤسسات، وأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، لا في الهياكل.

الخاتمة

إن الحديث عن الشباب في فكر الإمام عبد السلام ياسين هو حديث عن الإنسان الذي يحمل بذور التغيير وهمّ الأمة ومشعل مجدها. فالشباب ليسوا فقط أمل المستقبل، بل هم صانعوه متى اجتمعت فيهم: قوة الإيمان والفتوة والاقتحام ومعاني التربية والبذل والجندية. وتوجهت هذه الطاقة نحو خدمة الحق والعدل.

راهن الإمام على الشباب، واعتبر بأن الأمة تتجدد برجال يجدد الله بهم الدين، وشباب يحملون همَّ الدعوة، ويصدقون الله في الطلب. كما اعتبرهم رافعة أساسية للبناء والتحرير متى أصبح كل واحد منهم حاملا لا محمولا.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، دار الإقدام للطباعة والنشر والتوزيع، استنبول، ط5/ 2022، ص65.
[2] عبد السلام ياسين، رسالة الطالب والطالبة إلى كل مسلم ومسلمة، مطبوعات الأفق الدارالبيضاء، ط/1995، ص32.
[3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، م. س، ص225.