إن التأمل فيما جرى ويجري من أحداث النزوح الجماعي للمغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة، وما رافق ذلك من تداعيات وتفاعلات دولية وإقليمية ومحلية، يجعلنا نقف على ثلاثة أطراف حاضرة: رابح وخاسر ومتهم أول.
ربح مجاني
فأما الرابح فهو الطرف الصهيوأمريكي ومن يحيط به من يمين غربي متطرف، الذي خرج منذ الساعات الأولى للحدث ليدين الحكومة الإسبانية ويحملها بشكل مباشر المسؤولية فيما حدث. بل ذهب أكثر من ذلك، في استغلال طافح يبدو كجزء من الخطة، في محاولة لعزل اسبانيا عن الاتحاد الأوروبي وعن حلف الناتو. هذا الاستغلال السريع والكثيف للحدث دبلوماسيا وجيواستراتيجيا كان هدية مجانية لم يخسر فيها هذا الطرف لا صورته دوليا ولا أرواح مواطنيه، مقابل حصوله على أداة لإضعاف موقف إسبانيا المناهض للإبادة الجماعية في غزة، كما تضعف أدوارها التاريخية في محاصرة سيل الهجرة الجنوبية نحو أوروبا.
خسارة متفاوتة
بالنظر للوضع الذي وُضعت فيه اسبانيا عالميا، اضطرها للغة دبلوماسية دفاعية وهادئة يمكن اعتبارها طرفا خاسرا. لكن دولة كإسبانيا تمتلك من الخبرة والإمكانيات ما يمكنها من إعادة توازناتها ومواقعها وتخفيض كلفة خسارتها. ليبقى الخاسر الأكبر هو المغرب وطنا ومواطنين. فخسارة أرواح عشرات الشباب والنساء والأطفال هي خسارة ضخمة لم تلق اهتماما رسميا، ولا حدادا وطنيا ولو من باب تكريم الوطن بتكريم مواطنيه الأموات غرقا في رحلة البحث عن الكرامة والعيش الكريم. كما خسر المغرب صورته أمام العالم الذي تابع مشاهد مخزية ومهينة لشعب يهرب من وضعه المعيشي، ثم يصيح على أرضه المحتلة “تحيا إسبانيا”. ويسجد شكرا لله عن نجاحه في هذا الهروب. مشاهد مخجلة رأى فيها العالم شعبا محاصرا ما إن أفلت عقاله حتى هب للهروب بعشرات الآلاف، خلال يومين فقط، والرقم كان مرشحا للازدياد. تلك الصور ستترك ندوبا عميقة في ذاكرة الكرامة والعزة المغربية أمام العالم.
تهمة ثابتة
أما المتهم الأول فهو السلطة المغربية.
فإذا سلمنا بالسيناريو الذي يفسر ما حدث بأنه خطة مغربية من أجل “قرصة أذن لإسبانيا” المتعاقدة حديثا مع الجزائر في إطار اتفاقات جيواستراتيجية، فإن هذه السلطة متهمة بتوظيف الشعب المغربي ذروعا بشرية، لدرجة التضحية بأرواح أبنائه دون أن يرق لها جفن من أجل تدبير دبلوماسي لا يستحق أن يدفع الشعب ثمنا باهظا مقابله، فلا شيء يعدل حق الحياة ولا شيء يبرر التضحية بتلك الأرواح في عملية تهجير غادرة.
وإذا سلمنا بالسيناريو الذي يفسر ما حدث بأنه خدمة من السلطة المغربية لصالح أجندات حليفها الصهيوأمريكي، فالتهمة تثبت على هذه السلطة المطبعة، وتجعلنا نضع أيادينا على قلوبنا. فهذا مؤشر خطير على درجة الاختراق الصهيوأمريكي الذي بموجبه يتم توظيف المغاربة والاستهانة بأرواحهم من أجل تصفية حسابات لا ناقة ولا جمل للمغرب والمغاربة بها. فهذا الحليف المجرم الذي ارتكب إبادة دموية في غزة وأشعل الحروب في كل أوصال الأمة الإسلامية لن يتردد في التلاعب بأرواح المسلمين هنا. فمن فتح له الباب وسلمه رقاب أبنائنا ويسر له هذا التلاعب؟؟
إما إذا قررنا أن نكتفي بسيناريو التفسير التقليدي، الذي يربط ما حدث بالأوضاع الاجتماعية والمعيشية لفئات عريضة من الشعب المغربي، تعيش واقع الهشاشة والتهميش والإقصاء والتفقير والتجهيل واليأس الجماعي، فإن التهمة تلبس السلطة المغربية كليا، والدليل هذه المرة بالأرقام الصادرة عن مؤسساتها الرسمية والتي تعكس الوضع المتردي في الصحة والتعليم والتشغيل والحقوق الاجتماعية والسياسة والمدنية… وغيرها، من مؤشرات تنبئ باحتقان كاف لجعل جحافل الشعب تهب هاربة من واقعها، وليس من وطنها، بحثا عن المفقود من الكرامة والحقوق والعدالة والعيش الكريم. ويكفي هنا التذكير باختفاء أكثر من مليون ونصف شاب مغربي الذين لم يتم العثور عليهم لا في المدرسة ولا في الشغل.
إن حدث سبتة وما رافقه من تداعيات وتفاعلات يعكس أننا أمام نقطة تقاطع معقدة، جمعت الجلاد بالضحية، وجعلت بلادنا تدفع ثمنا باهظا في رهانات خاسرة لن تزيد الوطن وأهله إلا يأسا وغضبا. غضب لا يبشر بالخير. ولله الأمر من قبل ومن بعد.