في حلقة جديدة من برنامج “مساحة وضوح”، حلّ الدكتور محمد منار للقيام بقراءة نقدية للمشهد السياسي المغربي الراهن مفككا ثلاثة ملفات طفت على سطح النقاش العمومي في المغرب، أولها معرض الكتاب، ثم التراجعات التي عرفها قانون الجهوية، وإرهاصات انتخابات 2026. وانطلق عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان من مقولة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله “العواطف تنشئ الدولة، والعقول ترسي دعائمها، والأهواء تجعلها دمارا”، ليتساءل عن طبيعة العقول التي تقف وراء هندسة القوانين والقرارات الحالية في المغرب، وهل هي محكومة بالمنطق أم بالأهواء والمصالح الشخصية والزبونية؟
ملاحظات على المعرض الدولي للكتاب
سجل المتحدث أن الدورة الأخيرة لمعرض الكتاب بالرباط، باعتبارها تظاهرة ثقافية بارزة، رغم بعض إيجابياتها الرقمية عانت من ”هجانة” واضحة في الاختيارات الفكرية والتنظيمية؛ حيث طغى ”جنس الأدب” من شعر ورواية على البرنامج الثقافي، مقابل تغييب شبه تام لعلوم السياسة والاجتماع والأنثروبولوجيا والعلوم الشرعية، مما أفقد المعرض التنوع المطلوب في تظاهرة بهذا الحجم، كما انتقد غياب التنسيق اللوجيستي وسلاسة الانتقال بين الأجنحة، مسجلا ملاحظة بارزة تتعلق بضعف حضور الجامعات المغربية في هذا المحفل الثقافي البارز.
أما على مستوى التدبير المالي فقد أثار المتحدث علامات استفهام وتساؤلات كثيرة راجت إعلاميا بشكل كبير ولم تجد توضيحا أو تكذيبا، حول ميزانية التنظيم التي فاقت 45 مليون درهم، وكذلك الإصرار على إقامة المعرض في “خيام وأروقة مؤقتة” بمدينة الرباط للسنة الخامسة على التوالي، عوض استغلال بنايات جاهزة كانت ستوفر هذه المبالغ الطائلة، بالإضافة إلى ما يروج حول احتكار شركة معينة لصفقات التنظيم واللوجيستيك مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الشفافية.
وفي الجانب الحقوقي، وصف الدكتور منار منع الأكاديمي معطي منجب من الدخول للمعرض بـ”الحدث الفضيحة” الذي يسيء لواقع الثقافة والواقع الأكاديمي بالمغرب، واعتبر أن هذا السلوك، إلى جانب “لوائح المنع” لبعض الكتب والأسماء، يكرس واقعا من التضييق الذي يتجاوز الحدود ويحول المعرض من فضاء للحرية إلى فضاء للمنع المذل للثقافة المغربية.
وخلص المتحدث إلى أن أزمة القراءة في المغرب هي أزمة مركبة لا تُحل بلوم القارئ وحده باتهامه بالعزوف، بل ترتبط بغياب التنشئة الأسرية والتعليمية، كما أشار بمرارة إلى تراجع أدوار المكتبات العمومية التي تعاني من “الإهمال والكتب المتلاشية”، وظهور عينة من الناشرين التجار الذين يلهثون وراء الربح المادي عوض الهم الثقافي، في ظل ضعف القدرة الشرائية للمواطن التي تجعل شراء الكتاب عبئا إضافيا.
القانون التنظيمي للجهات.. عودة إلى المركزية والوصاية المشددة
في تشريحه لتعديلات القانون التنظيمي للجهات (رقم 031.26)، اعتبر أستاذ القانون العام والعلوم السياسية أننا بصدد تراجع واضح عن هامش اللامركزية الذي بشّر به دستور 2011 ونص عليه، مسجلا أن هذه التعديلات أدت إلى حذف اختصاصات ذاتية جوهرية للجهات كانت تمنحها استقلالية في مجالات التكوين، والنقل، والبيئة، والثقافة، وتحويلها إلى اختصاصات مشتركة، مما يقلص استقلالية القرار المحلي لصالح المركز ويفرغ مفهوم التدبير الحر من محتواه.
الجانب الأكثر إثارة للجدل كان الانتقال من الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، وهو ما اعتبره المتحدث تكريسا لوصاية وزارة الداخلية، فتعيين مدير هذه الشركات أصبح يتم من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية عوض رئيس الجهة، كما أن النظام الأساسي لهذه الشركات وقراراتها باتت تخضع لمصادقة الوالي وبنود وزارة الداخلية، مما يضعف دور المنتخبين.
وانتقد منار بشدة الاندفاع الكلي نحو التدبير المقاولاتي بنسبة 100% في الشأن العام، مؤكدا أن معايير الربح والفعالية التقنية لا ينبغي أن تلغي المصلحة العامة وكذلك البعد الاجتماعي، محذرا من أن هذه المقاربة التقنوقراطية تتجاهل توصيات مؤسسات رسمية كالمجلس الأعلى للحسابات والمناظرات الجهوية التي كانت تدعو لتقوية الاختصاصات الذاتية وتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري المعطل فعليا.
وختم المتحدث هذا المحور بالإشارة إلى وجود نوع من التغول التشريعي حيث يتم تمرير اختيارات الحكومة ووزارة الداخلية في البرلمان بأغلبية “ساحقة” مع رفض أغلب تعديلات فرق المعارضة، واعتبر أن هذا المسار يجعل اللامركزية مجرد شعار يافطته النجاعة والمرونة، بينما واقعه هو العودة إلى المركزية والوصاية المشددة.
انتخابات 2026.. تراجع المسجلين في اللوائح وتودد حزبي للداخلية
بخصوص التحضيرات لاستحقاقات 2026، رصد منار تراجعا مقلقا في أعداد المسجلين في اللوائح الانتخابية بنحو مليون و400 ألف شخص مقارنة بـ 2021. وانتقد بشدة الاستمرار في اعتماد القاسم الانتخابي المبني على أساس المسجلين، وهو الأمر الشاذ والغريب الذي لا يوجد لمثله عالميا، معتبرا أن الاكتفاء بمراجعة جزئية للوائح عوض مراجعة جذرية يكرس نفس الإشكالات التي شابت العملية الانتخابية السابقة.
أما عن العلاقة بين الأحزاب ووزارة الداخلية، فقد سجل المتحدث أيضا نوعا من الود الزائد والتقرب من الوزارة الوصية، حيث أصبح يُنظر للداخلية وكأنها هي الضامن الوحيد للمستقبل الانتخابي، وانتقد غياب الشفافية في الحوارات التي تقتصر أحيانا على الأحزاب البرلمانية، معتبرا أن التواصل الحقيقي يجب أن يكون مع جميع المعنيين والمواطنين بشكل علني وواضح.
وتحدث منار أيضا في توصيفه لواقع العملية الانتخابية عن رواج سوق التزكيات، حيث يتراوح ثمن وكيل لائحة بين 50 مليون و250 مليون سنتيم، وقد تصل لـ 500 مليون سنتيم في بعض الحالات، وتساءل باستنكار: هل من يدفع هذه المبالغ الطائلة لدخول البرلمان يفعل ذلك حبا في الشعب أم لاستعادة أمواله عبر استغلال النفوذ؟ كما لفت الانتباه إلى ظاهرة غريبة تتمثل في شراء الإقالات للالتفاف على قانون الترحال السياسي، حيث يشتري المرشح طرده أو إقالته من حزبه ليتمكن من الترشح باسم حزب آخر.
وخلص المتحدث إلى أن تشديد العقوبات الجنائية على الجرائم الانتخابية لا يكفي وحده، بل يتطلب الأمر إرادة سياسية صادقة لتنقية المناخ العام، لأن القوانين بدون إرادة تبقى عاجزة عن محاربة الفساد الذي تغذيه “الأهواء” التي تجعل العمل المؤسساتي دمارا.