​الدار البيضاء بين 1981 و2026: جغرافيا ثابتة ووجع يتكرر

Cover Image for ​الدار البيضاء بين 1981 و2026: جغرافيا ثابتة ووجع يتكرر
نشر بتاريخ

بداية، يبدو أن الربط بين احتجاجات 20 يونيو 1981 ومسيرة الأحد 28 يونيو 2026 يتجاوز التشابه السطحي في أسماء الشوارع والساحات وعناوين الشعارات والمطالب، إذا جرّدنا الحدثين من الأرقام والتقارير الجافة والتحليلات السياسية، ونظرنا إلى ما يحدث في الدار البيضاء بعيون الناس الذين يحتجون فيها، سنجد أننا لسنا أمام “إعادة للتاريخ”، بل أمام امتداد لنفس الوجع الإنساني، ولكن بنبرة مختلفة تماماً.

أ‌-      جدير بالذكر أن قراءة المحطتين تستوجب وضع الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (ك د ش) في قلب المشهد:

1)    في 1981: كانت الـ ك د ش نقابة فَتية (تأسست عام 1978)، لكنها ولدت بأسنان أيديولوجية واضحة، واضعة “النضال الديمقراطي” في قلب العمل النقابي، فإضراب 20 يونيو 1981 كان تحدياً مباشراً لسياسات التخلي الإجباري عن الشعب ورهنه للمؤسسات المالية العالمية.

2)    في 2026: تأتي مسيرة 20 يونيو لتؤكد أن النقابة، رغم كل محاولات التدجين والتبخيس والتهميش التي طالت العمل النقابي في العقود الأخيرة، تظل في بنيتها التنظيمية قادرة على تحويل الغضب الافتراضي إلى فعل فيزيائي في الشارع، فالنضال هنا ليس مجرد مطالب فئوية، بل هو صيانة لـ “وظيفة ممانعة تغول الرأسمال”.

ب‌-  كيف تتشابه المحطتان إنسانياً وبنيوياً بتفكير متحرر من القيود الإيديولوجية:

1)    الوجع واحد.. لكن “الغصة” مختلفة:

​في 1981، كان الخوف نهارياً وواضحاً، خوف من الجوع بمعناه الحرفي، معركة من أجل رغيف خبز كاد أن يختفي من فوق الموائد البسيطة بعد زيادة مفاجئة في المواد الأساسية (الدقيق، الزيت، السكر).

هذا الخوف المادي من اختفاء الرغيف تفجر سريعاً لأن السلطة آنذاك واجهت المطالب الاجتماعية بـ”المقاربة الأمنية الصرفة”، فتحول الخوف من الجوع في غضون ساعات إلى خوف من الرصاص الحي الذي حصد أرواح المئات من أبناء أحياء البيضاء (سيدي البرنوصي، والحي المحمدي، وعين السبع..).

البُعد النضالي هنا جعل المعركة وجودية وغريزية، فالجوع لا يملك ترف الانتظار، ولا يحتاج إلى تنظير إيديولوجي معقد ليفهمه العامل الكادح. كان الخوف واضحاً لأن العدو كان مرئياً في قاع القفّة الفارغة والجيوب الخاوية.

​في 2026، تحول الصراع إلى منظومة التكلفة غير المرئية، الخوف أصبح صامتاً و”مستورا” داخل البيوت، المعركة اليوم ليست على ثمن الخبزة في حد ذاتها، بل على التكلفة اللوجستية التي تفرضها أسعار المحروقات، وتغول شركات الوساطة، وتحكم “الخوارزميات” والمنصات في سلاسل التوزيع، الوجع اليوم هو أن كرامة رب الأسرة تُخدش كل شهر وهو يرى أجره يتبخر بفعل “تضخم هيكلي” صامت ومهندس له من قبل الحاكمين الفعليين، ليجد نفسه مجبراً على الاستدانة حفاظا على مظهر الحياة المستقرة لأسرته.

2)    ​انكسار “الأمل” لدى الطبقة الوسطى

​في 1981 كانت الحركة الاحتجاجية تقودها بروليتاريا واضحة المعالم (عمال المعامل، الموظفون الصغار)، وكان أجمل ما يُميز ذلك الزمن، رغم قسوته، الإيمان العميق بأن التعليم والوظيفة هما المصعد الاجتماعي الذي سينتشل الأبناء من الفقر ويؤمن مستقبل الأسر.

كان العامل في معامل النسيج، والموظف الصغير في سلك الإدارة، يتحمل شظف العيش والزيادات القهرية لأن لديه يقينا أن ابنه المتفوق في البكالوريا سيلج الجامعة أو المدرسة العليا، وسيصبح طبيباً، أو مهندساً، أو إطاراً في الدولة، وكانت الوظيفة العمومية في ذلك الزمن تعني “الاستقرار النهائي” والانتقال الحتمي من الهامش إلى المركز، النضال في 1981 كان نضالاً مدفوعاً بأمل حسي وملموس المأمول منه نحن نعاني اليوم ليرتاح أبناؤنا غداً.

​في 2026: تعكس المسيرة رعباً سيكولوجياً مختلفاً، رعب السقوط الحر للطبقة الوسطى، فالمتظاهر اليوم في شوارع البيضاء قد يكون حاملاً لشهادة عليا، أو أستاذاً، أو مهندساً، يكتشف فجأة أن أمانه الوظيفي كان وهماً، وأن الغلاء يلتهم جهده ويعيده إلى نقطة الصفر، إنها مسيرة الخوف من المستقبل الغامض وعجز الأجر عن تلبية ضروريات الحياة.

في الأدبيات النقابية الكلاسيكية، كان يُنظر إلى الطبقة الوسطى على أنها “صمام أمان” النظام المجتمعي والاستقرار السياسي، لأنها طبقة تملك ما تخسره وتنزع للمحافظة على الوضع القائم، أما اليوم في 28  يونيو 2026، تحولت هذه الطبقة إلى مشتل للاحتجاج والاحتقان بفعل الرعب السيكولوجي المرتبط بالخوف من الهشاشة، فالأمان الوظيفي الذي كان يمثله العقد الدائم والشهادة العليا تفتت، والدخل الذي كان يعتبر بالأمس “محترماً” بات اليوم، تحت ضربات التضخم الهيكلي وتحرير أسعار الخدمات الأساسية، عاجزاً عن تغطية أساسيات العيش (تمدرس الأبناء في القطاع الخاص كبديل للمدرسة العمومية المحتضرة، مصاريف التغطية الصحية، قروض السكن، وفواتير الطاقة).

 

ج‌-   من “دولة الرعاية” المحتضرة إلى “الدولة الاجتماعية” المتعثرة

1)    في عام 1981، كان المغرب يمر بأزمة خانقة في ميزان الأداءات والمديونية بسبب توالي سنوات الجفاف وتكلفة حرب الصحراء وارتفاع أسعار الفوسفاط ثم انهيارها، سارعت الدولة للاستدانة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واللذين فرضا ما عُرف بـ “مخطط التقويم الهيكلي”.

مضمون الصدمة يكمن في أن جوهر المخطط يقتضي تقليص النفقات العمومية، وتجميد التوظيف، وبداية رفع اليد تدريجياً عن دعم المواد الاستهلاكية الأساسية عبر “صندوق المقاصة”.

أما بالنسبة للحركة النقابية آنذاك، كان هذا التراجع بمثابة “طعنة في الظهر” للمواطن البسيط، “دولة الرعاية” بمفهومها المغربي التقليدي الذي يضمن فيه “المخزن” استقرار ثمن الخبز والسكر والزيت كمقابل للسلم الاجتماعي كانت تحتضر علناً، فالزيادات المفاجئة في يونيو 1981 كانت إعلاناً عن الانتقال القسري نحو رأسمالية متوحشة لا ترحم الضعفاء.

2)    ​في 2026، جاءت مسيرة 28 يونيو في سياق تنزيل مشروع “الدولة الاجتماعية” (الدعم المباشر، التغطية الصحية)، وجه التشابه والمفارقة هنا هو أن الأسر في الفترتين تعيش تحت وطأة “مرحلة انتقالية مؤلمة”، فالدعم المباشر الحالي وتفكيك ما تبقى من المقاصة يراه الشارع غير كافٍ لمجابهة الغلاء، تماماً كما كان رفع الدعم في 1981 صدمة غير محتملة.

إنها “الدولة الاجتماعية المتعثرة” لأنها تحاول الجمع بين نقيضين: إرضاء توجيهات المانحين الدوليين والأسواق الحرة من جهة، وادعاء حماية الفئات الهشة من جهة أخرى، ومسيرة 2026 هي الصرخة النقابية الواعية التي تكشف أن هذا التوازن مستحيل، وأن جينات 1981 لا زالت حية لتقول إن “الاستقرار الاجتماعي” لا يُبنى على خوارزميات صماء، بل على قفة مواطن يشعر بالأمان في بيته، وتحفظ كرامته.

ج‌-   الشارع كـ “ملاذ أخير” للاحتجاج الرقمي والفيزيائي

1)    ​في 1981، كان الشارع (الزنقة، المعمل، الساحات العمومية…) المكان الوحيد والفريد لتشكيل الوعي، والاحتجاج، وكسر الحصار الإعلامي.

في زمن القنوات التلفزية الرسمية الوحيدة والتعتيم الإعلامي الصارم الذي كان يسوّق لـ”الاستقرار والرفاه”، كان الشارع هو الوسيلة الوحيدة لـ “الإنصات لضمير المجتمع”، كان الوعي النقابي والسياسي يُبنى باللقاء المباشر، وتوزيع المنشورات الورقية السرية أو شبه السرية، والهمس في كواليس المعامل، أما النزول إلى الشارع في 20 يونيو 1981 فكان خطوة جسورة لـ “تجسيد الوجود”، فالجسد في الشارع آنذاك كان هو الرسالة، وهو الوسيلة الوحيدة لقول: ” نحن هنا، ونحن نجوع”.

 

2)    ​في 2026، يعيش الاحتجاج حالة توازٍ، الاحتقان يبدأ ويغلي في الفضاء الرقمي (مواقع التواصل، العرائض)، ثم يترجم نفسه في الشارع كـ “تجسيد فيزيائي نضالي ميداني” لغضب افتراضي، الإنسان المغربي بطبعه حييّ وذو أنفة، يداري حاجته داخل جدران بيته، لكنه عندما ينزل إلى المسيرة، تلتقي عيناه بعيون آلاف يشبهونه، فيزول شعور العزلة ويدرك أنه ليس وحده من يعاني مع الفواتير والقفة وباقي تكاليف العيش، لـتتحول المسيرة إلى “جلسة مواساة جماعية”.

يبدأ الأمر باحتقان صامت عبارة عن وسوم (Hashtags)وتدوينات المقارنة بين الأسعار وصور “القفة” التي أصبحت مقياساً لكرامة العيش.

داخل المجموعات المغلقة والصفحات، يتجاوز الفرد الرقابة النفسية فيبدأ بالتعبير عما كان يخجل من قوله جهاراً، الفضاء الرقمي يمنحه الأمان الأولي لـ “التذمر” دون الكشف الكامل عن هشاشته الاقتصادية، فتتحول العرائض الرقمية إلى استفتاءات شعبية غير رسمية على واقع معيشي مرير (فواتير، غلاء، بطالة).

بعد ذلك يأتي “التجسيد الفيزيائي الميداني” من الشاشة إلى الأسفلت، الخطوة الأخطر والأكثر إثارة هي لحظة الانفصال عن الشاشة والنزول إلى الأرض، الغضب الافتراضي طاقة كامنة، والمسيرة هي “الكتلة الحرجة” التي تحول هذه الطاقة إلى فعل فيزيائي نضالي وملموس.

فالرابط بين الضغط على زر “مشاركة” والمشي في الشارع هو البحث عن الحقيقة، في الفضاء الرقمي، يظل الفرد خائفاً من أن تكون “الخوارزميات” تخدعه، أو أنه الوحيد الذي يمر بهذه الأزمة، أما النزول إلى الشارع فهو رغبة في تحويل “الافتراضي” إلى “يقين ملموس”.

عندما تغيب العناوين الواضحة لصناع الأزمة، يصبح الشارع هو العنوان الوحيد، فالمتظاهر ينزل إلى الشارع ليقول للحكومة ولمن يتحكم فيها وللعالم: أنا لا يهمني تفكيك شفرات الاقتصاد المعولم ولست معنيا بتوازناتكم الماكرو اقتصادية المجحفة، أنا هنا في فضاء الدولة العام أضع مسؤولية سلامتي المالية والاجتماعية بين يدي من يدبر شأني العام، فالشارع هو المكان الذي يُجبر الخصم الهلامي على التجسد والرد.

في 28 يونيو 2026، لم يعد الشارع مجرد وسيلة لرفع المطالب، بل أصبح الملاذ النضالي والبرلمان الحقيقي، إنه المكان الذي يخرج إليه المغربي الحييّ ذو الأنفَة ليقول: “جربت الصبر صامتاً في بيتي فخنقني، وجربت الصراخ خلف شاشتي فاستصغروني، ولم يبقَ لي إلا إسفلت هذا الشارع التاريخي البيضاوي لأضع عليه ثقل كرامتي وأبث منه شكواي، وألتقي بمن يشبهني لنواسي بعضنا، وننقذ معاً سلامنا الداخلي من الطحن الصامت”.

ح‌-  ثبات الجغرافيا.. تبدد “التيه”

​في الفترتين تظل الدار البيضاء (درب السلطان، الحي المحمدي، ساحة النصر) هي “الرحم الجغرافي” للاحتجاج النقابي، فنحن لا نتحدث عن إحداثيات على الخريطة، بل عن “متاحف حية للغضب المغربي”.

1)    في 1981 (زمن الوضوح الخشن) كانت المعركة مباشرة وضد قرار مكتوب، حكومة توقع على زيادة الأسعار، وشعب يرفض التوقيع بالنزول إلى الشارع، كان الغضب يملك بوصلة واضحة وعنواناً محددا.

2)    في 2026 (زمن اليقين البنيوي) تبدد “التيه” الذي حاولت المبررات التقنية فرضهُ (مشاجب الجفاف، والمناخ، والتقلبات الدولية)، أدرك المتظاهر بذكائه الفطري أن الخصم ليس “شبحاً عابراً للقارات” بل منظومة حكم تلعب دور “التلميذ النجيب” في مدرسة الرأسمالية المتوحشة والمؤسسات المالية العالمية.

هي إذن معادلة الطحن المعاصر، لم يعد الأمر يتعلق بـ “زيادة فجائية” تثير السخط، بل بـ “تفقير هيكلي ناعم”، حيث تتحول الفئات الشعبية لقرابين تقدم للصناديق الدولية والأسواق المفتوحة.

في النهاية، مسيرة 28 يونيو 2026 تثبت أن الجسد المغربي وإن بدا هادئاً، فإنه يحمل في “جيناته” ترمومترا دقيقاً للكرامة، إذا تجاوز الضغط حده يخرج “الرحم الجغرافي” (الدار البيضاء) ليعيد ضبط التوازنات وليذكر الجميع بأن للإنسان طاقة، وبأن السلام الداخلي للمواطن وكرامته هما أساس سلام المجتمع والجميع.