للحج مكانة قدسية عظيمة عند المسلمين، وتكمن قدسيته وعظمته في كونه الركن الخامس من أركان الإسلام، وكونه من الفرائض التي يحب الله عز وجل أن يتقرب إليه بها عباده المؤمنون. ففي الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه» رواه البخاري.
وتكمن قدسيته وعظمته أيضا في فضله وأجره وثوابه، وأن جزاءه الكبير هو الجنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» رواه البخاري.
كما تكمن قدسيته وعظمته في كونه يؤدى في شهر حرام، يُحرَّم فيه القتال والظلم والطغيان، ويسود فيه الأمن والأمان والسلم والسلام، ولذلك سمي هذا الشهر باسمه: ذو الحجة.
وكذلك تتجلى قدسيته وعظمته في كونه يقع من وفي أماكن محرمة، مباركة، مقدسة وعظيمة. ومن هذه الأماكن المسجد الأقصى في بيت المقدس الشريف. ومن هذا المنطلق نفهم الأسباب والدوافع التي جعلت أفئدة المسلمين تهوي إلى المسجد الأقصى، ويُهِلُّون (يُحرِمون ويُلَبُّون) بالحج الأكبر منه، وأفئدتهم وأرواحهم معلقة به، ونفوسهم تتشوف إليه، تواقة إلى حجة عظيمة مباركة ومبرورة.
لقد وردت كلمة «الحج الأكبر» في قوله تعالى: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: 3]، وكلمة «الحج الأكبر» لها مدلولات عظيمة، واليوم أصبح التهليل بالحج من المسجد الأقصى حجا أكبر.
لقد كان مسرى الرسول عليه الصلاة والسلام من هذا المسار النوراني المقدس الممتد من المسجد الحرام، أول بيت وضع للناس، بيت رب العالمين، إلى المسجد الأقصى المبارك، أولى قبلتي المسلمين. قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء: 1].
وهلَّ الحجيج من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام مرورا بهذا المسار، ففي الحديث عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرة أو حجة غفر الله له ما تقدم من ذنبه» رواه الإمام أحمد في المسند. وفي رواية أخرى: «من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة».
وقد كان هذا دأب الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم الذين أهلُّوا من المسجد الأقصى، مثل: عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن أبي عمار، ومعاذ بن جبل، وكعب الخير رضي الله عنهم.
وروى الإمام أحمد في المسند أن التابعية أم حكيم ابنة أمية بن الأخنس رضي الله عنها، لما علمتها ولقنتها أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها فضل التهليل من المسجد الأقصى بحج أو عمرة، طارت شوقًا إلى المسجد الأقصى، وأهلَّت منه بعمرة.
هذه إشارات ورسائل واضحة، تدل على أن المسجد الأقصى والحرم القدسي جزء موصول بالحرم المكي والمسجد الحرام، لا يمكن أن ينفصل عنه، ولا أن ينقطع هذا الحبل الموصول بينهما. لذلك حرص المسلمون، منذ عقود، على أن يحافظوا على بيت المقدس والمسجد الأقصى من أي اعتداء ظالم وغاشم، وألا يتنازلوا عنهما مهما صار.
ومن هذا الاعتقاد نفهم لماذا توجه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه إلى بيت المقدس، لما فُتح، لاستلام مفاتيحه، ولم يتوجه إلى البلدان الأخرى المفتوحة.
إن الرباط المتين الذي يربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى جعل أفئدة من المؤمنين تهوي من المسجد الأقصى ملبية بالحج والعمرة إلى المسجد الحرام، لأنهم يستشعرون قدسية ومكانة المسجد الأقصى عندهم، ويكفي أنه مسرى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأولى القبلتين لديهم.
لذلك حرص الخلفاء الراشدون والصحابة الكرام، بعد توحيد الأمة، على فتح بيت المقدس، وجعلوه من أولى أولوياتهم وأهدافهم السامية، ومن صميم عقيدتهم ومقدساتهم، وزرعوا في قلوب الأمة حب القدس الشريف والمسجد الأقصى، وحب مكة المكرمة والمسجد الحرام.
فهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يرسل الجيوش لفتح الشام، ويأمر خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهو في العراق، بالإسراع إلى الشام لتقديم الإسناد والدعم والإمدادات لفتح القدس، إذ يقول له: «أن أعجل إلى إخوانكم بالشام، فوالله لقرية من قرى أرض القدس يفتحها الله تعالى أحب إليَّ من رستاق عظيم من رساتيق العراق» (انظر: فضائل بيت المقدس للمرجى).
ويتمم سيدنا عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، ما بدأه سيدنا أبو بكر رضي الله عنهما، فيسرع إلى القدس ليستلم مفاتيح بيت المقدس بنفسه، ويطهر المسجد الأقصى من دنس الصليبيين، ويقيم للمسلمين مصلاهم الأول في الجهة القبلية من المسجد.
ولما دخل سيدنا عمر رضي الله عنه القدس، شهد معجزة الرسول عليه الصلاة والسلام حين وصف لهم بيت المقدس حجرة حجرة، ومكانا مكانا.
ونستحضر أيضا البطولات الجهادية التي حققها صلاح الدين الأيوبي في كنس دنس الصليبيين من بيت المقدس والمسجد الأقصى بعد تحريرهما.
فمتى يهلل المسلمون بالحج الأكبر من المسجد الأقصى في بيت المقدس الشريف، وهو منذ سنين مغتصب ومحاصر ومدنس من قبل العدو اليهودي الصهيوني؟
فواجب الوقت اليوم على مليار مسلم في العالم هو العمل على تحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى من دنس الاحتلال. وليتوهَّم المسلمون اليوم أنهم واقفون أمام عظمائهم الذين حرروا بيت المقدس والمسجد الأقصى، والذين بذلوا أنفسهم من أجل ذلك، ليسألوهم: لماذا ضيعتم وفرطتم في بيت المقدس والمسجد الأقصى، وهو مسرى ووصية نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام؟ فماذا سيكون جوابهم؟
روى الإمام أحمد رحمه الله عن ذي الأصابع رضي الله عنه قال: “قلت: يا رسول الله، إن ابتُلينا بعدك بالبقاء، أين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس، فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون” أخرجه البغوي.