الحاج محمد اوفقير رحمه الله: طيبوبة نادرة ومواقف أصيلة

Cover Image for الحاج محمد اوفقير رحمه الله: طيبوبة نادرة ومواقف أصيلة
نشر بتاريخ

بقلم: سعيد حنين

مر أسبوعان على وفاته رحمه الله وأبت صورته أن تفارق ذهني وقلبي مع حسرة كبيرة تنتابني كلما تذكرته بسبب بعض التقصير في زياراته، ولما هممت بزيارته السبت أو الأحد وصلتني رسالة صاعقة من هاتفه ليلة الجمعة تخبرني بوفاته، وبعد تردد وتسويف ارتأيت، من باب قول الله عز وجل “ولا تنسوا الفضل بينكم”، أن أكتب كليمات لعلها تطفئ لهيب تلك الحسرة، أسأل الله أن تكون له شهادة عند الله.

جنازته المهيبة تدل على مكانته في قلوب الناس، كيف لا وقد جمع الله له ما كان متفرقا عند الكثير من الناس؛ الطيبوبة النادرة، وعدم المساومة في حق الناس، والوقوف مع الحق مهما كلفه ذلك.   

تعرفت على الحاج سيدي محمد أوفقير رحمه الله في أواسط تسعينيات القرن الماضي، لما كان يزور أبناءه بمخيم صيفي كانت تنظمه جمعية السبيل في منطقة نغازوت كلم 17 الجميلة، قبل أن تصبح رمالها الذهبية تحت سيطرة الـVIP. كنا في المخيم نجلس في أوقات معينة مع الزوار من الآباء وغيرهم، وكان الحاج محمد واحدا منهم، كان يأسرنا بنظراته التي تقرأ من خلالها الطمأنينة والوقار، وبحديثه القليل الرصين الهادئ والغني في مجال تربية الأبناء ومواضيع أخرى بحكم تجربته واطلاعه، إذ كان آنذاك يشغل منسقا جهويا لمفتشي مادة العلوم الطبيعية، فكنا أمام قامة علمية تربوية في البيداغوجيا وسيكولوجية الطفل. اقترح علينا -نحن منظمي المخيم- مبادرة ذات بعد نظر، مفادها الاستمرار في عقد تلك الجلسات مع الآباء بعد انتهاء المخيم حتى تبقى ثماره طازجة يانعة بعد أن يتعهدها الآباء في بيوتهم بالسقي والرعاية اللازمين، وهو ما تم فعلا، ففتح لنا بيته بحي القدس، بعد ذلك انبرى آباء آخرون لاستقبال تلك اللقاءات في بيوتهم من باب التنافس في الخير، ومن أطفال ومراهقي تلك الفترة من رواد المخيم من غدوا اليوم أساتذة جامعيين ومهندسين ورجال أعمال وموظفين، ومعظمهم آباء لجيل آخر، نسأل الله أن يقيض لأبنائهم من يساهم في تربيتهم بعد ان منعت المخيمات وأغلقت مقرات الجمعيات.

في سنة 2000 عين الحاج سيدي محمد رحمه الله نائبا إقليميا لوزارة التربية الوطنية بإقليم شيشاوة عن جدارة واستحقاق، لكفاءته المتميزة ولسمعته الطيبة في مجال تخصصه وفي الشأن التربوي عامة، وذلك منصب يتهافت إليه الوصوليون لما يدر عليهم من أموال تتراوح بين الحلال والشبهة والحرام، وهنا سيظهر معدن الرجل الحقيقي الذي لا تغريه المناصب ولا الألقاب، إذ ساهم في خلق مؤسسة تعليمية نموذجية في عهد الوزير عبد الله ساعف (في الصورة مع الحاج محمد).

كعادة الوزراء والمسؤولين مجرد مكالمة هاتفية تكفيهم للرفع والجر والنصب ولتذهب المساطر والقوانين إلى سلة المهملات؛ اتصل الوزير بالحاج محمد النائب الإقليمي من أجل تعيين شخص مديرا لتلك المؤسسة دون استحقاق بعد إجراء اختبارات للمرشحين للمنصب، فرفض الحاج سيدي محمد أوفقير  رفضا قاطعا هذا التدخل وذاك الظلم الذي قد يطال من هو أحق بالمنصب، وهو يعلم أن ذلك سيكلفه منصبه، وتم إعفاء كفاءة علمية بيداغوجية نظيفة اليد بعد سنتين فقط من تعيينه، ذكرتني بعمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه، بهذا الإعفاء الجائر تم حرمان إقليم في قمة الهشاشة ممن يمكن أن يساهم في تطوير المنظومة التعليمية هناك.

تلت هذا الحدث سنوات من إعفاءات لم تطل فقط خيرة الأطر الإدارية والتربوية بل امتد هذا التعسف الى مختلف القطاعات في ربوع البلاد من أبناء العدل والإحسان، وتم ترسيب بعضهم في اختبارات في خرق فج وسافر لكل الضوابط القانونية والأخلاقية.

جاءت فترة التقاعد النسبي ليتفرغ فيها الحاج سيدي محمد رحمه الله لحفظ كتاب الله، وقد أتم الله عليه حفظه ولو في سن متأخرة ورغم شدة المرض؛ تسلح بهمة عالية لمقبل على الله شبرا فأقبل الله عليه ذراعا ويسر له كل السبل، يأبى أن يفارق المسجد ولو محمولا، لا يشتكي أبدا ولا تفارق الابتسامة محياه، يستقبل الزائرين في بيته فرحا مستبشرا صابرا محتسبا، ينتظر لقاء الله، وهو ما كان يردده في أيامه الأخيرة.

رحمك الله سيدي ورفع مقامك عنده في أعلى عليين، وحفظ البلاد والعباد من كل سوء ومكروه.