الجلسة العلمية الأولى: بناء الإنسان في صلب مفهوم التزكية وخصائصه

Cover Image for الجلسة العلمية الأولى: بناء الإنسان في صلب مفهوم التزكية وخصائصه
نشر بتاريخ

شهدت الجلسة العلمية الأولى من الندوة الدولية “فقه التزكية الإيمانية بين كمال الوظيفة ومحاذر التوظيف”، التي نظمتها مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات بتنسيق مع الهيئة العامة للتربية والدعوة لجماعة العدل والإحسان، تركيز البحث والنقاش حول “المفهوم والخصائص”، وهو ما تجلى في نقاشات عميقة استهدفت تحرير مفهوم التزكية من الانحباسات التاريخية والمزالق المعاصرة.

افتتحت الجلسة بكلمة للمسير الدكتور عبد الباسط المستعين، شدد فيها على أن التزكية هي “جوهر الدين ووظيفة الأنبياء والسبيل لسقيا الروح وإمداد القلب بالزاد اللازم لحياته وربطه بخالقه سبحانه وتعالى وبالموكب النوراني من الأنبياء والأولياء على مدى الزمن”. تلتها مداخلة مركزية للدكتور محماد رفيع، أستاذ أصول الفقه بكلية الآداب ظهر مهراز بمدينة فاس، الذي بسط القول في “نظرية التربية عند جماعة العدل والإحسان”.

د. رفيع: التزكية أساس المشروع التغييري وهذه مدامك النظرية التربوية
أكد الدكتور رفيع أن التربية عند الجماعة “مفهوم مركزي واستراتيجي، وما سوى التربية من مجالات وقضايا وأسئلة كلها مدارها على التربية”، يصدر عن “رؤية متكاملة متناسقة” تقوم على خمسة مدامك أساسية، العلاقة بينها علاقة تواصل وتكامل وهي: مدماك المقاصد: الناظم لمفهومي العدل (سقف الأداء التربوي على مستوى الجماعة) والإحسان (سقف أداء التربية على مستوى الفرد)، ليتعانق الخلاصان الفردي والجماعي ويتم تجاوز إشكال عمّر طويلا. ومدماك المفاهيم: اقتحام العقبة، النداء والاستجابة، الرحمة والحكمة، الصحبة والجماعة، الفتنة.. التي جسدت المعالم الكبرى للتربية. ومدماك المباني: وهو البنية التأسيسية للتربية عند جماعة العدل والإحسان، تقوم على أصول وفروع جمعها الإمام عبد السلام ياسين في 77 شعبة من شعب الإيمان فيما سماه بالخصال العشر.

ثم عرج على مدماك الوسائل ثم مدماك المحاذير: حيث قدمت النظرية تقويما لمشاريع الدعوة والتغيير في الأمة محذرة من السقوط في مزالق قاتلة جمعها المتدخل في: مزلق إسلام الدروشة والزهادة: الذي ينعزل فيه الداعي عن هموم المجتمع والأمة بدعوى “الطهرانية”. ومزلق الإسلام الفكري الثقافي: المنفصل عن معاني التربية وعن مقتضيات العمل، والذي يُسقِط في “الاستلاب الفكري والثقافي” لغياب السند التربوي. ومزلق الإسلام الحركي المنفصل عن الإيمان: الذي يفرغ الحركة من روحها وصلتها بالله تعالى.

دة. المختوم: المرأة والمحبة الإيمانية.. من الوجدان الفردي إلى العمران الإنساني
وبناء على ورقتها البحثية الموسومة بـ”قيمة المحبة الإيمانية في تزكية المرأة وطلبها للكمال”، قدمت الباحثة في جامعة عبد الملك السعدي بتطوان الدكتورة نوال المختوم مقاربة تجديدية ترفض اختزال التزكية في البعد الوجداني الصرف، واعتبرت أن المحبة في المنهاج النبوي هي “مبدأ تكليفي” يربط بين صلاح الباطن واستقامة الظاهر.

وشددت الباحثة على أن: الرقة الوجدانية للمرأة ليست دليلا على القصور، بل هي “رأس مال استراتيجي وأهلية فطرية عالية” في فقه التغيير التربوي. وأن طلب الكمال العقلي والروحي لا يتحقق في زوايا العزلة، بل في “أتون المشاركة الفعالة والتعليم المستمر وحمل هم الدعوة والدفاع عن الحقوق”. وأن الوظيفة العمرانية التي تجعل من عناية المرأة ببيتها “رباطا جهاديا في برج استراتيجي ممانع” هي فيه “حارسة الوعي الإسلامي وصانعة الجيل الذي سيتحمل أمانه الاستخلاف”، وتبلغ هذه التربية الروحية “كمالها الوظيفي حين تنخرط المرأة ومخرجات تربيتها في الشأن العام السياسي والاقتصادي، وبهذا الامتداد البنيوي تنحل القطيعة المتوهمة بين المجال الروحي والمجال السياسي لتغدو المحبة الإيمانية طاقة معياريه توجه الفعل العمراني”.

د. تكروري: غزة نموذجا.. حين تتحول التزكية إلى طاقة صمود ونصر
ومن أرض الرباط والجهاد، أتحف الجلسة الدكتور نواف تكروري، رئيس هيئة علماء فلسطين، بمداخلة حول “موضوع التربية الإيمانية وأثرها في تحقيق النصر والتمكين: غزة نموذجا”، شدد في مطلعها على أن “مواجهة التحديات الكبرى وقوة الأمم لا تقاس بوفرة مواردها المادية فحسب، بل بمدى تماسك منظومتها القيمية، وقدرة أفرادها على الصمود والثبات في العطاء والعمل في أحلك الظروف، ولذلك تأتي التربية الإيمانية باعتبارها الركيزة الأساسية التي صاغت الصحابة الكرام والجيل الأول ومن تبعه بإحسان، وهي المنهج القادر على تحويل المفاهيم الاعتقادية إلى طاقة دافعة في ميادين العمل”. واعتبر أن تجربة غزة قدمت برهانا عمليا على أن بناء الإنسان النوعي هو الكفيل بردم الفجوة المادية، فالحاضنة التربوية في غزة -يشدد المتحدث- كانت بمثابة مراكز الثقل التي انطلقت منها إرادة الصمود.

وكانت من أبرز خلاصات مداخلة الشيخ تكروري: الجهاد يسرع مفعول العملية التربوية الكاملة في صناعه الإنسان وبنائه، فالقوة بلا تربية قد تؤدي إلى الانحراف (الداعشية). ودور المسجد والقرآن والمؤسسات التربوية بصفتها أهم أركان النصر: سر استهداف الاحتلال لـ1100 مسجد في غزة يكمن في كونها محاضن لصناعة إنسان اليقين. فالتربية في التجربة الغزية قامت على منهج شامل يجمع بين التأصيل الشرعي والتزكية الروحية وبناء الإرادة الجهادية وتعميق الوعي بطبيعة الصراع والإعداد البدني المتين. وبناء القيادة المتربية: إذ في غزة؛ فرز القيادة يأتي من المسجد والحاضنة التربوية، “فلا يصعد عديمو الصلة بالله على أكتاف الناس”، وقد “أثبت دراسة أن وضوح الهدف المتمثل في قتال العدو الصهيوني المحتل الغاصب ووجود ووجوب جهاده شرعا مع ما تفرضه الملاصقة الجغرافية والقرب الميداني من عدو قد حول واقع الإعداد والاشتباك إلى محضن تربوي مفتوح”.

ذ. فرطوطي: خصائص التزكية المنهاجية.. الخروج من الوصف إلى الاتصاف
واختتمت عروض الجلسة الأولى بمداخلة الأستاذ عبد القادر فرطوطي، باحث في الفكر الإسلامي، الذي تناول “التزكية الإيمانية على منهاج النبوة: حقيقتها وخصائصها” في ضوء تصور الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، مجيبا عن إشكالية “كيف أعاد التصور المنهاجي بناء مفهوم التزكية الإيمانية وخصائصها بما يحقق كمال وظيفتها التربوية ويصونها من محاذير التوظيف الفرداني أو التبريري”.

وبعد أن أبرز أن التزكية المنهاجية تتميز بـ: الشمولية: دمج تزكية القلب بالتعليم والعمل الميداني. والجماعية: الانتقال من الهم الفردي إلى “الإرادة الجهادية” عبر الصحبة. والفاعلية التاريخية: إنتاج “الفاعل المجاهد الشاهد بالقسط” الذي يرفض التبريرية السياسية للظلم. خلص إلى مجموعة من التوصيات منها: إدماج التزكية في المناهج التعليمية، وإحياء اللفظ النبوي وتجاوز الهجانة. وإعداد الفاعل التاريخي والقيادة القدوة. وربط التزكية بالمسؤولية الاجتماعية والجهادية. وتفعيل ثلاثية البناء: التلاوة والتزكية والتعليم. والحاجة إلى إدماج مبدأ علاج التزكية في البحث العلمي. وترسيخ الصحبة التربوية داخل الأطر الجماعية.