الجفاء العاطفي

Cover Image for الجفاء العاطفي
نشر بتاريخ

هل للمشاعر التي يكنها الإنسان لرفيق حياته عمر محدد؟ وهل يولد الحب فيشب ويشيخ ثم يموت؟ أين يذهب الحب بعد الزواج؟ وما قصة الجفاء العاطفي الذي يتسلل إلى الحياة الزوجية سالبا منها الشعور الدافئ والأحاسيس الصادقة؟

هل السبب هو الانشغال الدائم للزوجين أو لأحدهما؟ هل هي وسائل التواصل الاجتماعية التي أصبحت الشغل الشاغل لهما؟ هل هي المشاكل والمشاحنات التي لا يكاد بيت يخلو منها؟

بالطبع قد تكون هناك أسباب أخرى تزيد من حدة التباعد بين الزوجين، وهذا ما نسميه بظاهرة الجفاء العاطفي، فحين ينهشم المعنى الجميل لروح الحياة الأسرية، ويذهب بالكامل جوهرها، يصبح الزواج مجرد مساكنة، وهي ظاهرة اجتماعية آخذة في الاتساع المخيف، بحيث انتشرت بين المتزوجين وغزت البيوت، سواء الزيجات الجديدة والتي لم يدم على ارتباطها سوى سنوات قليلة أو تلك التي تعدت العشرين سنة وأكثر.

ماهية الجفاء العاطفي

في بعض الأحيان قد يختار الزوجين الاستمرار في العلاقة رغم كثرة المشاكل، فتستمر العلاقة بدون عاطفة على حساب سعادتهما. وهذا الجفاء يسبب بدوره ما يسميه علم النفس الطلاق الصامت أو العاطفي، وهو زواج شكلي يفتقد لكل مميزات الزواج الحقيقي، ويتسبب في ابتعاد الزوجين عن بعضهما البعض، وفي فقدانهما لمشاعر الحب والمودة، وفي انعدام النقاشات الإيجابية والحوارات البناءة، فيعيشان في مكان واحد وتحت سقف واحد وكأنهما غريبين عن بعضهما وهما مضطران إلى ذلك، إما حفاظا على شكل الأسرة أمام المجتمع الذي يستنكر الطلاق الفعلي عادة، أو حفاظا على الأولاد من الضياع.

تجلياته

يبدأ الجفاء العاطفي كـ”روتين” عادي تبعا للحياة ومشاغلها، لكنه في الحقيقة مقدمة لطلاق حقيقي. المسميات له كثيرة لكن المضمون واحد، قد يسميه البعض طلاقا عاطفيا، أو طلاقا نفسيا، أو طلاقا صامتا.. أيا كان المسمى، لكنه باختصار؛ بداية انحدار العلاقة الزوجية، لأنه يبدأ بغياب مشاعر الحب والمودة، ويبقى هكذا حتى يصل إلى انتهاء العلاقة. وتتلخص تجلياته في:

1. الخلافات المتكررة بين الزوجين حول تفاصيل حياتهما أو طريقة تربية الأبناء، وفشلهما في إيجاد مساحة مشتركة بينهما للتفاهم، أو الوصول لحد أدنى من الاتفاق.

2. الشعور بالألم، حيث يصبح أي تواصل أو احتكاك مؤلم والكلمات جارحة أو ناقدة، وتكون هناك محاولات للإيذاء المتبادل بشكل مباشر أو غير مباشر.

3. الإحساس بالمرارة، وهي تراكم للألم وتراكم للجراح وتراكم للذكريات السيئة، تكاد تخنق أحد الشريكين أو كليهما..

4. الغضب المستمر، فتساور الزوجين مشاعر عدوانية، سرعان ما تتحول إلى نزاعات ومشاجرات واستخدام عنف نفسي أو جسدي أو لفظي.

5. احتراق كل المشاعر الإيجابية والسلبية بينهما، وبالتالي يفقد كل طرف إحساسه بالآخر تماما وكأنه لم يعد موجودا معه أو حوله، وأنه مجرد خيال يراه من وقت لآخر.

هي حالة من الصمت الأبدي المطبق في التواصل سبقتها حالة موات في المشاعر.

أسبابه

تتضافر في حدوث الجفاء العاطفي بين الزوجين مجموعة من العوامل، وهي:

1. ضعف الوازع الديني، فالتهاون في العبادات والابتعاد عن ذكر الله عز وجل، يخلف ضيق النفس وقلة البركة واضطراب العلاقات عموما والأسرية على وجه الخصوص، قال الله تعالى: ” وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا” 1، والضنك في المعيشة هو الضيق وإن كانت واسعة.

2. عدم الالتزام بأسس الشريعة في بناء الأسرة، وضع الإسلام أسس الأسرة المسلمة، بما يحقق المصلحة لكل فرد من أفرادها، ودعا المسلم إلى الالتزام بها ليستقر بناء البيت المسلم، لذا فأي مخالفة لهذا الشرع لابد أن تخل بالبنيان.

3. الجهل بقواعد العلاقة الزوجية، ونقصد به عدم فهم الزوجين لتبعات هذا الميثاق، وجهلهما بقواعد الحياة الزوجية. فعلى سبيل المثال عدم إلمام الزوجين بحقيقة اختلافهما؛ من حيث الرغبات وطريقة التفكير والاهتمامات فيما بينهما، وبأن العلاقة بينهما تقوم على التكامل والتشارك وليس على التشابه، يسبب الكثير من المشاكل الزوجية.

4. غياب التأهيل قبل الزواج، ونقصد به غياب الفهم الدقيق لمعنى الزواج، وغياب كذلك الوعي بمتطلبات الحياة الزوجية، وعدم الإدراك لأساليب المعاملة التي يلقاها كل طرف من الآخر خلال دورة الحياة الزوجية والمرتبطة بمواقف الفرح والألم وخبرات الحياة التي يتعرضان لها.

5. غياب الحوار، عندما يغيب الحوار في العلاقات الزوجية، ويتعمد كل طرف ألا يشارك الطرف الآخر مشاعره وأفكاره، تفقد العلاقة الزوجية رابطا مهما، ما يزيد الجفاء بين الزوجين، لتتسع مسافات البعد بمرور الوقت.

6. غياب التعاون والتشاور، حيث يستحوذ أحد الطرفين على مجريات الأمور، دون إشراك الطرف الآخر في اتخاذ القرار وإبداء الرأي والمشورة.

7. المثلث المدمر للعلاقة الزوجية، أضلاعه الملل والفراغ والروتين، فبسببها تفقد الحياة الزوجية رونقها وتجددها وتصبح هشة ضعيفة بلا روح، وهو أول الخطوات في طريق الطلاق العاطفي.

8. الاستهانة بالمشكلة، يحدث أن يعي كل من الطرفين ببدء حدوث الفجوة في العلاقة دون محاولات لحل المشكلة لإنقاذ علاقتهما.

9. طغيان القيم المادية الاستهلاكية، ومن أبرز نتائج انتشار هذه القيم، غلبة الاعتبارات المادية حيث سعى أفراد الأسرة إلى البحث عن مصادر جديدة للمال، وإلى زيادة ساعات العمل، مما أدى إلى حدوث فجوة ببن الزوجين.

10. انتشار وسائل الإعلام، التي ساهمت بشكل كبير في إنتاج التباعد الأسري أو الجفاء، حيث أصبح الحديث بين أفرادها مقتصرا على الأحاديث الضرورية والمختصرة، وغابت الجلسات العائلية الحميمية بين أفراد الأسرة الواحدة.

علاجه

ما يميز العلاقة الزوجية هي صفة العاطفة المستمرة وبالشكل الكبير مما يؤدي إلى الشعور بالرضا وبالتالي نجاح العلاقة، هذا ما يفرض على الزوجين توطيد حبهما وإشباع عاطفتهما واعتمادها الأساس الرئيس في العلاقة. إذ بدونها سيدخل الزوجان حالة من الجفاء العاطفي والبرودة في العلاقة، دون أن يدركا الأمر بحكم الإيقاع السريع للحياة. وهذه بعض النصائح التي قد تكون مجدية في علاج الجفاء العاطفي:

1. الكلام العاطفي الصريح، إن تضمين الكلام بمفردات الحب والألفة والاحترام المتبادل من أقوى علامات الإشباع العاطفي، بل ومن دعائم تثبيته، فترديد كلمات الحب يعطي للعلاقة الزوجية نكهة خاصة، ويزيل ما قد يعلق من رواسب سلبية لسبب من هنا أو هناك. ومن ذلك مخاطبة الزوجين لبعضهما بما يحب من ألقاب أو ترقيق اسمه أو تدليله، فقد كان صلى الله عليه وسلم ينادي أمنا عائشة رضي الله بقوله: “يا حميراء”.

2. الدعابة الحانية، من أكبر الوسائل للترويح عن النفوس، وتطييب القلوب، وتحقيق الألفة والسعادة، ولقد كان لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن عائشة رضي الله عنها قالت: “إنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وهي صغيرة، فقال لأصحابه: “تقدموا”، ثم قال لها: “تعالي أسابقك”، فسبقته، ثم تستطرد رضي الله عنها: فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: “هذه بتلك”.

3. التودد الذي يعبر عن شدة الحب، والاشتياق، ومقدار السعادة باللقاء والتواصل، أو الحزن الشديد للبعد والافتراق، فذكر الصفات الحسنة الخَلْقِية والخُلُقية، أو غير ذلك من السلوكيات كجميل اللباس، وجودة الطعام، وجمال تنظيم أثاث المنزل، خير وسيلة لعلاقة زوجية متميزة، بل إن هذه الممارسات هي أقوى علاج لمشكلة الجفاء العاطفي، والمرأة على الخصوص أشد ما تكون إلى الكلمات العذبة التي تتناسب ومشاعرها المرهفة وطبيعتها الأنثوية.

4. الهدية، هي مفتاح القلوب، تجلب الحب، وتعزز الود، وتدفع بها الغل، ولقد أوصانا صلى الله عليه وسلم بالهدية، بل وجعلها سببا للمحبة، فقال: “تهادوا تحابوا” 2. فباقة ورد، أو بطاقة كتبت عليها كلمة جميلة… لها أثر فاعل لدى رفيق الحياة، وسيجد المهدي في مقابل ذلك ابتسامة مشرقة، وبهجة في أرجاء عش الزوجية.

تعتبر العلاقة الزوجية من أسمى العلاقات، وهي كالنبتة تحتاج للسقي لتبقى في القالب الذي يليق بها، وهي ليست بالعلاقة المثالية التي تخلو من الفتور، فمثلها مثل أي علاقة قد تتعرض لبعض التقلبات التي تذوب بالمودة والرحمة، فليس عيبا أبدا أن نتغير لأجل من نحب، فبالجهود المشتركة بين الزوجين تكون الحياة بأروع صورها.  لذا يقع على عاتق كل طرف مسؤولية الحفاظ على تماسك الأسرة وقوة ترابطها، كما ينبغي على كل منهما أن يجتهد للحفاظ على دفء العلاقة وتجدد الحب، فبهما تلين العثرات، وتحل المشاكل، وتكون أداة قوية في يد الزوجين للخروج من أي محنة حياتية تقابلهما أثناء رحلتهما.


[1] سورة طه، الآية 124.
[2] أخرجه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي بسند حسن.