التعليم عن بعد ورهان العدالة الاجتماعية (2)

Cover Image for التعليم عن بعد ورهان العدالة الاجتماعية (2)
نشر بتاريخ
منير الجوري
منير الجوري

2. التربية ومسألة التفاوتات الاجتماعية:

أ- المدرسة بين الاستحقاق والإنصاف:

تقوم فكرة الإنصاف عند راولز RawlsJ.على مبدأين؛ أولهما الحرية الشخصية التي يجب أن يتساوى فيها الجميع على كل المستويات بما فيها المساواة الاقتصادية والاجتماعية. وثانيهما ضمان الفرص العامة للجميع، دون استبعاد أو إقصاء أي فرد على أي أساس تمييزي، ثم، وهذا الجزء الأهم، ضمان المساواة التوزيعية التي تراعي مبدأ التفاوتDifférence Principale.  ويعني بالمساواة التوزيعية أن يجعل أفقر أفراد المجتمع في أحسن حال ممكن، وذلك من خلال إتاحة الفرص للناس بشكل متساو مع الحرص على تسهيل وصولهم إليها بما يملكون من وسائل وإمكانيات ذاتية. فقد تكون الفرص متاحة للجميع وحرية الوصول إليها مضمونة للجميع، لكن ما يستطيع شخص معاق، مثلا، تحقيقه بتلك الفرص هو أقل مما يمكن لشخص سليم الوصول إليه. ومن المهم ملاحظة ما أخرجه راولز من دائرة اهتمامه المباشر في حساباته التقييمية، كالمزاعم القائمة على الحقوق المرتبطة بفكرتي الجدارة والاستحقاق. وهو ما يقدم تبريرا عقلانيا لما قد أدرج وأخرج 1.

وإذا أسقطنا هذه النظرة على المدرسة، فسنجد أنفسنا أمام تحدي تحقيق الإنصاف من خلال معالجة التفاوتات الأصلية التي يصطحبها رواد المدرسة معهم من أوساطهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية من جهة، ومن جهة أخرى نجد تحدي ضمان مستوى من تكافؤ الفرص التعليمية، حتى لا تنتج المدرسة تفاوتات جديدة تعيد تصديرها إلى المجتمع. خاصة أن المدرسة تعتمد في تصنيفها للمتعلمين على مبدأ الجدارة والاستحقاق باعتباره آلية لتوزيع العدالة، في حين تغفل عن ضمان وضع قبلي عادل ومنصف. وهذا ما أكده صوروكان SorokinP.الذي قال إن الوظيفة الأساسية للمؤسسة التعليمية هي تصنيف المتعلمين بما يحدد علاقة خطية دقيقة بين قدراتهم من جهة والقدرات التي تتطلبها مختلف أنواع المهن والمواقع التي تميز البنية السوسيومهنية في المجتمع. “فالمجتمعات الصناعية تنتصر للاستحقاق والجدارة، بمعنى أنها تعطي تقديرا خاصا للكفاءات النادرة والاستثنائية وتضع ثقتها في منظومة التعليم التي تعمل على تحديد هذه الكفاءات” 2. ولأن تلك الكفاءات تختلف باختلاف الطبقات الاجتماعية، فإن المدرسة تجد نفسها وهي تعلي من قيمة المستحقين إنما تعطي فرصا وامتيازات لطبقات على حساب طبقات أخرى. لذلك فقد اشتغلت السوسيولوجيا على هذا الترابط الذي يؤثر بشكل كبير على الحراك الاجتماعي بدلالة الأصل الاجتماعي. فرغم أن هناك تقدما ملحوظا على مستوى تكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم والحصول على مساواة داخل المؤسسة التعليمية بين مختلف الفئات الاجتماعية إلا أن تأثير ذلك على الترقي الاجتماعي بقي متواضعا حيث مازال صدى الأصل الاجتماعي   يتردد داخل مخرجات النظام التعليمي.

بل إن المجتمع يعج بالتأثيرات الاجتماعية المتولدة عن غياب العدالة الاجتماعية بين مختلف دوائر العدل. فقد اعتبر والزرWalzerM. أن أنظمة التفاوتات يتم إنتاجها من جميع مجالات النشاط الاجتماعي؛ المدرسة تنتج تفاوتاتها الخاصة، كما الاقتصاد والثقافة والسياسة… وغيرها. وعدم المساواة التي تنتج عن أي مجال تنشئ ظلما جديدا وعدم مساواة في مجال آخر. فعدم المساواة في الدخل يؤدي إلى عدم المساواة في مجال الدراسة والثقافة والصحة …وغيرها. لذلك فينبغي أن يكون واضحا أن علاج التفاوت وتحقيق الإنصاف في الوسط المدرسي هدف لا يمكن أن تخوض فيه المدرسة بمعزل عن القطاعات المجتمعية الأخرى. ومهما عملت المدرسة على تنويع أساليب المساواة فأثرها لا يمكن أن يظهر أمام بنيات مهنية غير متساوية. فهناك دائما حرف يدوية ووظائف راقية تصاحبها تمثلات مجتمعية تمارس تأثيرها على الفضاء المدرسي وتصنع رغبات التلاميذ وتشكل ميولاتهم ورهاناتهم، فتجد المدرسة نفسها عاجزة عن مجاراتها في إطار من العدالة والإنصاف وتدبير الاختلافات. “فالمدرسة العادلة ليست مدرسة بدون اختلافات وليست كل اختلافات غير عادلة. ولا ينبغي أن نخفي أن المضامين المقدمة للتلاميذ ليست كلها محفزة ومرغوبة من طرف جميع التلاميذ. وبالتالي فإنهم لا يحصلون نفس المنفعة والنتائج خلال رشدهم. ولكن إذا قررنا المواءمة بين جميع الطلبات والرغبات فإن ذلك يهدد مفهوم التعليم المشترك. مهما يكن، لا بد من تكيف المدرسين مع المتعلمين، ولكن ذلك سيظل ناقلا مفضّلا لعدم المساواة” 3.

ب – من التفاوتات الأصلية إلى التفاوتات التعليمية

الحقيقة أن الأداءات المدرسية للتلاميذ مرتبطة أشد الارتباط بالأصول الثقافية لآبائهم حيث تصبح المساواة الحقيقية مجرد خيال. فرغم الدمقرطة في الولوج للتعليم، فإن التفاوتات الاجتماعية مستمرة في توزين مسارات التلاميذ. أغنياء أو فقراء، باطرونا أو عمال، لا يتابعون نفس الدراسة وبالتالي فالفائزون في الانتقاء المدرسي ينقسمون دائما بدلالة أصولهم الاجتماعية. وهذا ما سماه ميرل P. Merle الفصل العنصري démocratisation ségrégative. ففي الوقت الذي يخضع جميع الأطفال لنفس قواعد المنافسة المدرسية، فإن تلاميذ المدارس العليا والتكوينات العالية والأكثر دخلا ومردودية يكونون أكثر حظا من تلاميذ التكوينات المهنية والمسارات الجامعية ذات الولوج المفتوح والأعداد الكبيرة 4. وإذا اتخذنا جميع التدابير لخلق مدرسة تحترم المساواة وتكافؤ الفرص بشكل كلي ومطلق، وإذا افترضنا أن هذا النموذج محاط بجرعة هامة من التمييز الإيجابي وبإجراءات الحد الأدنى للجميع، يجب الاعتراف بأن المدرسة تنتج بشكل حتمي تفاوتات مدرسية، تؤدي بدورها إلى خلق تفاوتات اجتماعية.

فمبدأ الاستحقاق جعل المدرسة أكثر مساواة لأنها سمحت للتلاميذ بالدخول في سباق داخل نظام موحد ومنسجم على الأقل من الناحية النظرية. لكنه اصطدم بتفاوتات اجتماعية من خارج المدرسة تقلص من نسبة تحقق العدالة والإنصاف الاجتماعيين في الوسط التربوي. فالمنافسة المدرسية مهما بلغت من الموضوعية القائمة على الجدارة والاستحقاق فإنها لا تأخذ بعين الاعتبار أشكال التفاوتات الاجتماعية الموجودة داخل المجتمع، والتي يحملها المتعلمون معهم إلى الوسط المدرسي، مما يجعل الوسط الذي تتم فيه المنافسة غير عادل؛ تفاوتات في الذكاءات المتعددة، وأخرى تهم النوع البشري وثالثة تفرضها الطبقات الاجتماعية أو الاختلافات المجالية وهكذا. وهي تفاوتات تتجاوز المتعلم، بل يجد نفسه مقيدا بها وليس من العدل في شيء أن يحاكم على أساسها.

وعندما يرتبط النجاح الدراسي بالاستحقاق القائم، فقط، على المجهود الذي يبذله المتعلم في مساره الدراسي دون استحضار التفاوتات الاجتماعية أو العائلية أو المجالية أو النوعية أو البيولوجية، فإنما تتم شرعنة ذلك النجاح باسم عدالة مفتقدة، خاصة أن الفاشلين لا ينظر لهم باعتبارهم ضحايا التفاوتات ونقص العدالة، وإنما يعتبرون مسؤولين عن فشلهم مادامت المدرسة قد قدمت لهم كل فرص النجاح وبالتساوي. في حين أن هذه المدرسة فرضت عليهم نظاما يخضعون فيه باستمرار للمقارنة والترتيب والتصنيف على أسس غير منصفة. وهو ما يجعل من المدرسة فاعلا قويا في عملية الانتقاء والاصطفاء الاجتماعي   ثم إعادة الانتاج. “فكل منافسة تحدث تفاوتات كبيرة بين التلاميذ، وكلما سعى المدرس لتقليصها فإنها تظل قائمة، حتى عندما يتطور مستوى التلاميذ فإن ترتيبهم في عمومه يبقى كما هو5.

وإذا كان الوضع على هذا الشكل في ظل تعليم حضوري يؤمن على الأقل مستوى من مساواة المكان والزمان والجو التربوي والتعاقد البيداغوجي، فكيف سيكون الأمر في ظل تعليم عن بعد تنتفي فيه ضمانات المساواة الأولية في أبعادها الدنيا؟ إذ يتم نقل المدرسة إلى أفضية وأزمنة غير متكافئة يزيد فيها عجز المدرسة عن تحييد كل ما من شأنه أن يرجع إلى المسؤولية الفردية والأصل الاجتماعي   من أجل بلوغ استحقاق عادل. فتأثيرها يصبح محدودا جدا ولا يمكنه إحداث تغيير عميق على مستوى الحد من إنتاج التفاوتات المدرسية. مقابل تنامي حظوظ أولئك الذين يجدون ضالتهم وامتيازاتهم في النموذج الاستحقاقي. خاصة عندما يكون هؤلاء المستفيدون هم الطبقة الفاعلة في صياغة ووضع خيارات السياسات العمومية في المجال التربوي. فالفاعلون يقفون دائما ضد أي محاولة لسحب أي امتياز منهم، في حين أن الطبقات الأكثر تضررا وتموقعا من المدرسة ليس لهم المجال ولا الإمكانية ولا الكفاءة من أجل أخذ الكلمة للدفاع عن مستقبل أبنائهم.


[1] السيد الحسيني، دراسة في علم الاجتماع الحضري، الإسكندرية: دار المعرفة، 1997.
[2] الأمم المتحدة، التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد، 2017.
[3] منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، تقارير “رصد التعليم للجميع” لسنوات 2005، 2009، 2010.
[4] المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الاستراتيجية العربية للتعليم عن بعد، 2017.
[5]

Börje Holmberg, « The evolution of the character and practice of distance education », Volume 11, (Oldenburg : BIS-Verlag der, 2005. Vu le 13/10/2020 sur https://uol.de/fileadmin/user_upload/c3l/master/mde/download/asfvolume11_eBook.pdf..