التطبيع من بوابة التعليم.. الخطر الأكبر

Cover Image for التطبيع من بوابة التعليم.. الخطر الأكبر
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بقلم: حميد أنكري

في الوقت الذي باتت فيه المدرسة المغربية لا تكاد تقوى على القيام بدورها ولا يراد لها أن تساهم بالشيء الكثير في تربية النشأ على القيم والأخلاق والثوابت الإسلامية، وفي الوقت الذي تزداد معاناة المنظومة أمام طوفان التخريب والتمييع والتسطيح، الناتج عن العولمة والرأسمالية المتوحشة والغزو الإعلامي لوسائل التواصل الاجتماعي والإشهار والأفكار الإباحية وغيرها؛ ازداد طيننا بلة بتطبيع النظام المغربي مع الكيان الصهيوني، الذي نشأت أجيال وأجيال على اعتباره العدو والخطر الأول على الأمة الإسلامية.

وإذا كان عرابو التطبيع يريدونه تطبيعا تاما وشاملا، حيث يصبح العدو صديقا ويمسي الصديق عدوا، فقد ركزوا وأصروا على التطبيع من بوابة التربية والتعليم، لما لهذه البوابة من أهمية في تسريع غسل الأدمغة وزعزعة الثوابت وتشكيل وعي منحرف عن الفطرة. وبمجرد التوقيع على اتفاقية التطبيع بين يدي الملك وبأنامل الرئيس حكومة، في أواخر 2020م، وقبل أن يستفيق المدافعون عن القضية الفلسطينية والغيورون على المقدسات الإسلامية من هول الصدمة؛ حتى تتالت الأخبار عن تفاهمات واتصالات ولقاءات عن بعد بين وزراء ومسؤولين من الجانبين.

ففي منتصف فبراير 2021م أذيع خبر أن وزير التربية الوطنية أجرى اتصالا مع نظيره في الكيان الصهيوني، اتفقا من خلاله على تنفيذ برامج مشتركة بمجال التربية والتعليم. كما اتفقا على تبادل الوفود الطلابية وتنظيم جولات دراسية في “إسرائيل” والمغرب وتوأمة مدارس. وفي ذات الاتصال شكر الوزير الصهيوني المغرب على إقرار دمج مواضيع من دولة “إسرائيل” والتراث اليهودي في المقررات الدراسية المغربية، بمعنى أن المغرب سبق خطوة التوقيع على التطبيع بخطوات تمهيدية أخطر، تبين مدى التنسيق والتفاهم السري المسبق بين الطرفين. فقد تفاجأ الجميع مع بداية الموسم الدراسي 2020/2021، بإقدام وزارة التربية الوطنية على تغيير الكتب المدرسية لعدد من المستويات الابتدائية، من أجل إدراج ما سمي بالمكون العبري بدعوى تنزيل دستور 2011. وهي عملية تدريجية بدأت منذ الموسم الدراسي 2019/2020، فبعد أن همّ التغيير ثلاثة كتب مدرسية لمادة التاريخ (الاجتماعيات)؛ ارتفع العدد ليشمل 18 كتابا خلال الموسم الدراسي الحالي 2021/2022، وفي مواد دراسية أخرى مثل اللغة العربية واللغة الفرنسية ابتداء من السنة الرابعة ابتدائي. وسيستمر التغيير لإقحام المكون العبري في برامج المستويين الإعدادي والتأهيلي.

وفي الوقت الذي صرّحت فيه الوزارة، عن طريق مديرية البرامج المدرسية، أن هذا التغيير لا علاقة له بما يحدث من استئناف العلاقات الدبلوماسية مع دولة “إسرائيل”؛ توالى الترحيب والتشجيع من جهات مختلفة مثل اللجنة اليهودية الأمريكية واتحاد السفارديم الأمريكي، وجمعية ميمونة المهتمة بالتراث اليهودي المغربي وغيرها..

وتتويجا لهذا المسار أشرف وزير التربية الوطنية، ببني ملال يوم 20 فبراير 2021م على توقيع اتفاقية بين الوزارة، من خلال الأكاديمية الجهوية لبني ملال خنيفرة، ومركز الدراسات والبحوث في القانون العبري وجمعية الصويرة موكادور؛ حول التنوع والتعايش في المؤسسات التعليمية والجامعية. وتنص الاتفاقية على إنشاء وتأطير ومواكبة أندية التسامح والتعايش في التنوع داخل المؤسسات التعليمية وتعزيز برامج أخرى.. ولم تمر إلا أيام حتى تابع الرأي العام شريطا بثته قناة عبرية يوثق لزيارة نُظمت لتلاميذ وتلميذات مغاربة إلى كنيس يهودي.

وعلى ذكر أندية التسامح، فقد سبق للوزارة أن وقّعت اتفاقية مع الرابطة المحمدية للعلماء، بحضور ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يوم 23 مارس 2018م، تنص على “دعم تعزيز التسامح والسلوك المدني والمواطنة والوقاية من السلوكات المشينة بالوسط المدرسي”. وقد أطلق الطرفان برنامج تكوينات لمنسقي هذه الأندية، حيث سينتقل عدد المؤسسات المحتضنة لهذه الأندية من 200 الى 3000 مؤسسة.

لكن السؤال الملح هو ما مصير هذه الأندية بعد إحداث أندية بنفس الاسم ووفق اتفاقية أخرى ومع شركاء آخرين؟ ثم هل من علاقة بين أندية اتفاقية 2018 وأندية اتفاقية 2021؟ هل ستحل الثانية محل الأولى أم إنها ستندمج معها؟ ألا يفتل كل ما يحصل في نفس الحبل “أي التطبيع”؟ أم أنه مجرد صدفة؟ لكن الصدفة تصبح مستبعدة عندما نسمع في الأخبار، ومن ممثل الكيان الصهيوني بالمغرب، دافيد غوفرين، أنه التقى يوم 9 فبراير الجاري الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء “لتباحث نقط عمل تطبيقية جديدة… فيما يخص التعاون بين الأئمة المسلمين والحاخامات اليهود”، مضيفا أن “التعاون يهدف إلى تعزيز التعايش والتسامح وقبول الآخر وتجاوز الاختلافات العقائدية للنهوض بمجتمعاتنا نحو مستقبل أفضل”. فأي تعاون ممكن بين حملة كتاب الله وورثة الأنبياء وبين مُشرعني قتل الأطفال واغتصاب المقدسات؟

بعد هذا السرد، لا يمكن لعاقل إلا أن يؤكد على أن التسامح والتعايش والسلوك المدني وقبول الآخر من المبادئ السامية التي تعتبر من صميم ديننا الحنيف، والتي تلتقي مع كل المبادئ الإنسانية في هذا المجال. لكن لا يمكن لهذا العاقل الإنساني إلا أن يرفض “التسامح” المشبوه، الذي يخدم التطبيع مع القتلة الصهاينة ومن يناصرهم ويتبنى سياستهم. ويرفض استغلال هذه الشعارات لتحريف التاريخ والقفز على الحقائق والتلاعب بتعليم الأجيال وطمس الهويات من أجل التفريط في المقدسات الإسلامية، وعلى رأسها بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. فأي تسامح من هذا القبيل يدخل في خانة المسخ والخنوع والبلاهة.