قراءة في التقرير الرصدي الذي أعدته الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة 1
في موضوع: التربية على التطبيع في المناهج التعليمية المغربية.
مقدمة
تنجز هذه المقالة قراءة وصفية تحليلية في التقرير الرصدي الذي أعدته الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة في موضوع التربية على التطبيع في المناهج التعليمية المغربية، وذلك من خلال الوقوف عند مفهوم التربية على التطبيع معناه، وتجلياته، ومخاطره، وذلك قصد استجلاء مختلف الدلالات التي تبني هذا المفهوم الجديد في حقل التداول المعرفي والمفهومي الذي يتناول القضية الفلسطينية.
أولا. مفهوم التربية على التطبيع
لا يمكن فهم معنى التربية على التطبيع كما يتقدم به التقرير من دون فهم المداخل الأساسية المعتمدة في بناء المفهوم، وهي مداخل تحاول تأطير بناء المفهوم من خلال ثلاثة عناصر هي:
1. تأطير تاريخي وثقافي يعي تاريخية نشأة المفهوم، وسياقاته، وتطوراته بدءا بمعنى تحقيق السلام التقليدي، ومرورا بمعاني التعاون العسكري والأمني والاقتصادي والثقافي والتربوي، وانتهاء بالارتماء التام في حضن الصهيونية ومعنى التطبيع الشامل. مع ما يعنيه ذلك من نشأة وامتداد وتغول عملية الاختراق والتحكم اللذين يمسان الهوية والعقلية والثقافة والإرادة والانتماء. لذا يتم هنا استحضار التاريخ الإجرامي للكيان منذ 1948، ومكانة الأقصى والقضية في وجدان الأمة، وتوظيف “الهولوكوست” الأسطورة المؤسسة لمشروع تجميع يهود العالم ولو على حساب تهجير أصحاب الأرض.
2. تأطير جيوسياسي استراتيجي إن كان يستحضر ربط المشروع التربوي الصهيوني بمشروع الهيمنة الأمريكية وإعادة هيكلة المنطقة (الشرق الأوسط الكبير، ما بعد 11 شتنبر)، مع تركيز خاص على الأجيال الشابة بوصفها الهدف الاستراتيجي للصراع الحضاري، فهو لا ينسى البعد العقدي الذي يستحضر المرتكزات العقدية الدينية للصهيونية المسيحية التي تمثل الخلفية المحركة لكل الدعم المقدم للكيان من أجل قيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين، لنكون في العمق بصدد صراع حضاري يجابه الإسلام الخطر الأخضر بما هو جدار قوي يجعل لقضية فلسطين معنى عقديا في وجدان المسلمين 2.
3. تأطير معرفي بمقاربة لغوية معجمية تستند إلى علم بناء المفاهيم والمصطلحات بما هي آليات للنظر إلى العالم، وأدوات للتفاهم والتواصل، أي بما هي أداة لامتلاك العالم وبناء المعنى. وعلى هذا المستوى يتحدث التقرير عن خطر المشروع المعرفي الصهيوني المدعم الذي يمارس ما سماه التقرير بعمليات الاستغلال الماكر والتوظيف المخادع، وغير البريء، والتلبيس المتعمد، وإفقاد المعنى لمعجم لغوي غني بالمفاهيم المثلى التي لا يختلف عليها العقلاء كالتسامح والتعايش وحقوق الإنسان والتفاهم والسلوك المدني، بغية تحقيق مسألتين اثنتين: أولاهما صناعة رأي عام، وثانيهما تحقيق اختراق قيمي وتربوي على المقاس الصهيوني. 3
ولقد أسست هذه المداخل لمقاربة في تناول معنى التربية على التطبيع ذات رؤيتين:
§ رؤية نقدية لمفهوم “التطبيع التربوي” الذي يحمل بحسب التقرير في جمعه بين مفردتي التطبيع والتربية دلالة متناقضة؛ لأنه يؤسس لعلاقة “بشعة” بين كلمة التطبيع بما هو «خيار مؤسسي صهيوني مدعوم من أنظمة عربية” لقبول الكيان الصهيوني باعتبارها وجودا احتلاليا للأرض، من خلال عمليات تشتغل على إعادة كتابة التاريخ الصهيوني بسردية تمسح التاريخ الإجرامي للكيان الصهيوني، كما تشتغل على عملية تربية للجيل الجديد من المسلمين والعرب. وهو الخيار الذي تلتصق به جملة من الحمولات القدحية والسلبية الجامعة لمعاني (الاستسلام والخيانة، والغدر والانهزام، والخضوع والاستلاب الحضاري). وبين كلمة التربية بما هي حسب التقرير عملية تتميز بالقصدية، والتدرج، والتخطيط، وباستهداف الطفل قصد بناء شخصيته عبر تأسيس قناعاته وسلوكاته ومواقفه، من خلال أدوات مختلفة (البرامج والمناهج والمقررات، والأنشطة) وهو ما يكسبها دلالة “الفعل والوصف النبيل” على مستوى السمات المعنوية (السمو، الترقي، التطور)، وعلى مستوى الغايات والأهداف (إكساب الأجيال أسباب القوة والتقدم، والعزة والكرامة والحرية) لتكون الخلاصة أن التطبيع لا يمكن أن يكون نبيلا ولا تربويا 4.
§ رؤية تجديدية تأسيسية بالانتقال من مفهوم التطبيع إلى مفهوم التربية على التطبيع، وهو نحث واستحداث لمفهوم جديد ومصطلح جديد سيدخل قاموس التداول المعرفي في تناول قضية فلسطين، وهو مفهوم يتم تقديمه عبر ثلاث زوايا:
– زاوية الرؤية: زاوية حضارية/قيمية تعتبر أن المعركة الحقيقية إنما تتم على مستوى الوعي والهوية والذاكرة، وأن المناهج جبهة مركزية في “معركة تحرر” ضد مشروع استيطاني، وليست مجرد إجراءات بيداغوجية.
– زاوية البنية والأداة: البنية المدرسة، والأداة: المنهاج الدراسي+ أنشطة الحياة المدرسي+ الانفتاح على العلاقات والصداقات الدولية، فيتم التركيز على المنهاج ببنيته المتكاملة (أهداف، قيم، لغة، تقويم، أنشطة موازية) باعتباره أداة للاختراق القيمي.
– زاوية المضمون: المرتبط بالصهيونية اليهودية المتخفية وراء معاني التسامح والسلام والتعايش لترسيخ السردية الصهيونية. وعليه نرى هذا التوجه نحو تمجيد التراث اليهودي دون تمييز عن الصهيونية، والعمل على تغييب فلسطين، وعلى توصيف الصراع في صورة «نزاع” بين طرفين متكافئين.
تسمح هذه الزوايا بتقديم مفهوم التربية على التطبيع باعتباره التعريف التالي: (ذلك الفعل المقصود، المخطط له، والذي يتم في إطار مدرسي، معتمدا أشكالا وأساليب خاصة عبر المناهج والمقررات الدراسية، والأنشطة الموازية والنوادي التربوية، والرحلات والزيارات، والأنشطة الرياضية، وعلاقات الصداقة الدولية وغيرها، والتي تستبطن مضمونا يرتبط بالصهيونية اليهودية بشكل مباشر أو غير مباشر)، نرى هنا الحديث عن القصدية (فعل مقصود)؛ وعن التخطيط (فعل مفكر فيه، منظم مرتب، مخطط له)، و عن صهينة المضامين طبعا باستحضار واع وعميق لسياقين كبيرين سياق حضاري يبني لمشروع يروم إعادة تشكيل الهوية العربية–الإسلامية، وقطع الصلة بتاريخ الصراع مع العدو الصهيوني، وسياق استراتيجي يعي هذا التواطؤ المتغول من “الهيمنة الصهيوأمريكية” لتصفية القضية الفلسطينية من الوجدان العربي. 5
ثانيا. تجليات التطبيع في المناهج التربوية المغربية
استنادا إلى ذرائع ذات طابعين:
§ طابع هوياتي يتمثل في تنزيل روافد الهوية المغربية المتعددة.
§ طابع تربوي ذو مرجعية كونية تدعو إلى التسامح والتعايش ونبذ العنف والتطرف.
يتم التسلل متعدد المستويات ومتنوع الأشكال إلى المنهاج الدراسي المغربي، من خلال عملية هندسة للوعي التربوي تتخذ من المدرسة ومن المنهاج الدراسي أمكنة وأدوات للاختراق الصهيوني، تبرز تجليات التربية على التطبيع كما وقف عندها التقرير في الأسلاك التالية:
1. التعليم الأولي:
عبر القيام بعملية قطع للناشئة عن مرجعيتها الدينية من قرآن وسنة وسيرة لصالح ما يسمى بالهوية الثقافية المناسبة للسياق الاجتماعي ويتم ذلك عبر العناصر التالية:
§ استهداف التعليم المسجدي عبر الإبعاد والإلغاء والمحاربة وإعادة الإدماج.
§ إلقاء تدبير التعليم الأولي لجمعيات وجهات غير مؤهلة علميا ولا ديداكتيكيا، معروفة بعدائها للدين وللغة العربية، يتم تمكينها من الاستفادة من الريع المالي دون محاسبة ولا شفافية.
§ التأسيس لإطار منهجي للتعليم الأولي ألحق تغييرات جذرية خطيرة بالمنهاج التربوي مقارنة مع معطيات الميثاق الوطني والكتاب الأبيض في مستويات ثلاثة:
- مستوى الأهداف عبر إدراج التربية الإسلامية ضمن القيم العامة، فعوض الحديث عن تحفيظ القرآن وتعليم العقيدة وتعزيز الهوية وغرس قيم الأخلاق الدينية يتم الحديث عن مبادئ العيش المشترك؛
- مستوى المكونات الحاملة للتعلمات؛ فعوض الحديث عن مكونات القرآن والعقائد والقيم والاحتفالات الدينية يتم الحديث عن أنشطة تنمية الجانب الوجداني والاجتماعي وعن مفاهيم البيئة والتواصل.
- مستوى زمن التعلمات؛ يتم تقليص الزمن المدرسي الخاص بالقيم الدينية المباشرة.
2. التعليم الابتدائي:
تظهر مظاهر وتجليات الاختراق الصهيوني في العناصر التالية:
§ إحداث خلخلة في المرتكزات القيمية المدرسة المغربية بإدماج مفاهيم القيم الكونية ومركزتها وتبئيرها.
§ تغييب القضية الفلسطينية مع ما يعنيه ذلك من فك الارتباط الوجداني للناشئة بها عبر عمليات حذف وإزاحة وتخفيت وسكوت عن دلالات لآيات، وإخفاء لصور الأقصى وللعلم الفلسطينية، وتحويل لدلالات التضامن في مخيال الطفولة (التضامن مع الزلزال مع الفقراء)، ونقل القضية الفلسطينية من قضية تحرير وطني إلى مجرد قضية نزاع يمكن فكه بالحوار.
§ تغييب مفاهيم الشهادة والتحرير والمقاومة والجهاد لصالح المفاهيم المرتبطة الملتبسة معنى وسياقات كالسلام والتعايش؛
§ تنزيل وإدراج مكونات الثقافة اليهودية بنوع من التسلل الماكر في المقرر الدراسي من قبيل (ترويج صورة الجار عوض صورة العدو + الاحتفال بالمناسبات الدينية كميمونة ذات الأصول التوراتية + الدعاية للشخصيات اليهودية والحديث عن اليهودي المغربي)، طبعا ليست المشكلة هنا مرتبطة بالحديث عن الجار اليهودي والثقافة اليهودية، وإنما المشكلة في الحضور المكثف التمييزي الذي يشتغل على الرموز والشخصيات وفق نهج رمزي لإعادة تشكيل هوية مستلبة وترسيخ قيم مشبوهة مقابل السكوت المريب عن الإنسان الفلسطيني ومعاناة الإنسان الفلسطيني وحقيقة الصراع الفلسطيني مع الصهاينة.
§ بناء هندسة للمفاهيم قائمة على التحوير والتحويل والتحريف: تحويل للمعجم القيمي والتربوي بما يؤدي إلى إفراغ الذخيرة والذاكرة اللغوية للمتعلمين من مفاهيم التحرر والمقاومة، وتحويل لمضامين المنهاج في تناوله للقضية الفلسطينية وتوصيف الصراع الفلسطيني، وما ينجم عن ذلك من إعادة بناء سياق معرفي جديد ليس في تعلماته شيء يسمى مقاومة أو محاربة العدو (إنما الأمر مجرد خلاف سياسي)، هذا إلى جانب وتحريف وتشويه لمفاهيم الأخوة في الدين والوحدة والتضامن والجسد الواحد وهو ما يقتل مرتكزات متأصلة للهوية الإسلامية، ويضرب اللحمة الناظمة الرابطة للمجتمع الإسلامي.
3. على مستوى التعليم الثانوي:
أورد التقرير إشارة إلى التغييرات التي لحقت المناهج التربوية في تجربة إعداديات الرائدة من دون التفصيل في تجليات تلك التغييرات التي لحقت لمنهاج التربوي، والتي سيمكن التنقيب عنها من الوقوف على اختراقات مهمة تمس المضامين والمفاهيم والمهارات، كما تمت الإشارة إلى المراجعات التي مست التربية الإسلامية في الإعدادي والثانوي وإلى التغييرات التي تناولت مفاهيم القضية الفلسطينية، وهي كلها تجليات تبرز أننا لسنا بصدد إجراء تقني يروم تجديد وإصلاح البرامج والمقررات، وإنما أننا أمام عملية تحويلات كبرى تغيب القضية الفلسطينية، وتبني مفاهيم منحرفة عن دلالاتها الأصلية، وتفتح المجال للخطاب المعولم قصد إعادة تشكيل الناشئة التعليمية وفقا لإملاءات سياسية عابرة للحدود كما عبر عن ذلك التقرير 6.
ومجمل القول إن تجليات الاختراق الصهيوني للمنهاج التربوي للمنظومة المغربية تشمل مجالات شتى تغطي معايير متعددة ربما يلخصها الجدول أسفله:
| المعيار | التوصيف |
| الهوية |
|
| المفاهيم |
|
| المضامين |
|
| اللغة |
|
| الأهداف |
|
لنكون إزاء تدخلات خطيرة في إعادة توجيه المنهاج التربوي الوجهة التي تخدم أجندات الصهينة ودعاتها وحماتها والمطبعين معها.
ثالثا. مخاطر التربية على التطبيع
قد يكون مفيدا أن نتحدث عن الغايات المرجوة من التربية على التطبيع ليكون ذلك مدخلا للحديث عن مخاطر التربية على التطبيع، وقد نميز في هذه الغايات بين:
1. المستوى الاستراتيجي، والذي تتبدى فيه الغايات والنتائج المنتظرة التالية:
- إنتاج أجيال “بلا ذاكرة مقاومة” تفتقد روابط النصرة والجسد الواحد.
- تصفية القضية الفلسطينية وجعل الكيان “دولة طبيعية” في المنطقة.
- إعادة ترتيب سلم الرموز (اليهودية رافد أصيل دون تمييز عن الصهيونية).
- تحويل التطبيع إلى بنية ذهنية ووجدانية تتشربها الأجيال منذ الطفولة.
- تحييد جبهة التعليم لمنع ظهور رأي عام شعبي مقاوم.
2. على المستوى التكتيكي، وهنا يمكن الحديث عن الغايات الآتية:
- تبييض صورة الكيان عبر إزالة “خطاب العداء” وتقديم اليهودية بصورة إيجابية مفرطة.
- خلق “قابلية للتطبيع” عبر الإجابات النموذجية في الامتحانات التي تقدّس التعايش المجرد .
- محو مفردات الجهاد والتحرير واستبدالها بـ “المصلحة الوطنية”.
- تمهيد الرأي العام المدرسي لقبول الاتفاقيات الرسمية (قمة النقب وغيرها) لتكون أمرا واقعا.بالنسبة للمخاطر، فيمكن أن نميز في المخاطر التي تنجم عن جملة هذه التجليات المعتمدة لآلية إعادة هندسة الوعي التربوي للطفولة عبر الاختراق الصهيوني بين ما يمكن أن نسميه بالخطر الجوهر، أو بجوهر الخطر، وبين ما يمكن دعوته بأعراض الخطر.
§ فالخطر الجوهري: يكمن في الخطر الهوياتي القائم على إعادة صياغة الهوية بما هي كلية عقدية فكرية وعاطفية من زاوية الاختراق التربوي بعد الاختراق السياسي والإعلامي والثقافي والفني والرياضي والاقتصادي، ويتمثل ذلك في ضرب الخلفية العقدية للقضية الفلسطينية؛ أي ضرب الهوية الإسلامية بما هي خلفية عقدية ومحرك للفاعلية الإرادية لأجيال من المسلمين.
§ أما أعراض الخطر فتبرز في شكلين كبيرين هما:
1. تزييف وتجريف وكي وإخضاع وترويض للوعي والإدراك عبر اختراق المنهاج الدراسي بما هو بنية متكاملة لبناء الشخصية، ويبرز هذا التزييف والتجريف في ما يلي:
- طمس الحقائق في ما يخص معنى الدين، ومعنى الإيمان، ومعنى التسامح الديني، ومعنى التعايش مع الآخر. وقلب المفاهيم بإحلال النقيض محل النقيض (الود عوض العدالة، السلام بلا عدالة، التعايش بلا حقوق، القبول بلا إنصاف، المواطن العالمي عوض الخصوصية المحلية، التعايش مع الظلم عوض مقاومته).
- نزع الذاكرة التاريخية وبناء مواطنة مدرسية تقوم على تصفية القضية الفلسطينية لصالح السردية الصهيونية؛
- التوجه نحو التأسيس لبناء براديغم أو إبدالات جديدة أو نموذج جديد قائم على تحويل مفاهيم قيمية إلى شعارات تجميلية مسكنة للصراع؛
- التأسيس لأفق أخلاقي يقدم المفاهيم الأخلاقية النبيلة منزوعة من شروط تبيئتها الجوهرية (العدل والكرامة الآدمية)، ومعزولة عن سياقاتها التاريخية والواقعية (الاحتلال والاستعمار والإبادة).
إن عملية تجريف وتحريف الوعي إنما تؤسس لبنية ذهنية وجدانية نفسية تقوم بعملية إخضاع للوعي وترويضه.
2. التجلي الثاني من أعراض الخطر يبرز في الشلل في الإرادة وما ينجم عنه من قابلية الاستعمار ونشأة ذهنية الانقياد والاستسلام والاستلاب والإدمان على الخنوع؛ ومن مظاهر ذلك ومن الآليات التي يتم الاشتغال فيها لتحقيق ذلك:
- قتل معاني المقاومة واستئصال مفهوم ودوافع وروح الجهاد؛ ترسيخ نموذج مزيف للتعايش الاستسلامي؛
- تسويغ الواقع عبر “المواطنة العالمية”.
- بناء الحياد السلبي المساوي بين الضحية والجلاد.
- تبييض صورة الكيان، وتصفية واجتثاث ا القضية الفلسطينية عبر خطابٍ كونيّ مفروض.
- حرب إفقار الرموز التحريرية عبر القيام بعملية توليد للإدراك الهادئ الذي يتمرن معرفيا على تمييز الظلم السياسي، ولا يقدر سلوكيا على مقاربة جوهر المعاناة، وذلك عبر عمليتي الاستبدال والإزاحة.
وعلى العموم فيمكن استجلاء عدد كبير من المخاطر مبثوثة وسط التقرير، وهي تشمل المجالات التالية التي تظهر في هذا الجدول الواصف من خلال المعايير الواردة:
| المعيار | التوصيف التحليلي للمخاطر |
| الهوياتي |
|
الوعي (عقلي/نفسي/جمعي) |
|
| الإرادة والمقاومة |
|
| التاريخي والاجتماعي |
|
| التربوي والتعليمي |
|
| السيادي |
|
| الأخلاقي والمستقبلي |
|
إن هذه العناصر مجتمعة تمثل خطرا كبيرا على بناء الشخصية معرفة ووعيا وإدراكا وسلوكا، وعلى اللحمة المجتمعية الضابطة لبنية المجتمع، وكذا على السيادة الوطنية عموما.
خاتمة
لقد كان التقرير واضحا صريحا في كشفه للمخاطر المدمرة بعيدة المدى للتربية على التطبيع مع الكيان الصهيوني، والتي تتبدى في تفكيك الهوية وخلق أجيال منبتة عن قضايا أمتها المركزية. ولعل مما يحسب للتقرير جرأته في وضع اليد على الأسس الجوهرية لعمليات الاختراق القيمي التربوي، والمتمثلة في افتقاد القرار التربوي للإرادة السياسية، وارتهانه للتبعية للإملاءات والتمويلات الدولية، وتركيزه على مداخل التحوير الرمزية على مستوى المفاهيم واللغة والرموز التي تشتغل على إعادة برمجة الوعي عبر اللغة.
إننا أمام هجوم منسق منظم واع مدعم على الناشئة المغربية يستدعي يقظة مجتمعية متعددة المداخل، متنوعة الوسائل، جماهيرية المشاركة، تضع نصب عينيها تحصين الناشئة التعليمية، وفضح الأنساق المعرفية المزيفة التي تحاول أن تدلس علينا باسم مسميات حقوق الإنسان والمواطنة العالمية ونبذ العنف والتطرف من أجل الانتقال ليس من تطبيع العلاقات مع ديانات لم تكن لنا معها مشاكل قط، وإنما من أجل القبول بالانتقال من التطبيع إلى التربية على التطبيع، ومنها إلى الاستسلام للاحتلال والاستيطان العقلي والقلبي والوجداني بل والأرضي أيضا. ولعل الأمانة الدينية والمسؤولية الوطنية، وواقع الاختراق القيمي المتزايد الهاجم على المدرسة المغربية دواع تفرض الدعوة إلى جعل التقرير بيانا وطنيا للتداعي على جبهة مجتمعية لتحصين هوية المنظومة التربوية المغربية حفاظا على ثروتنا من الناشئة التعليمية التي هي مستقبل البلاد.