الانجماع على الله تعالى

Cover Image for الانجماع على الله تعالى
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بقلم: حسناء الدويش

الانجماع على الله تعالى هو جمع القلب عليه، وإخلاص الوجهة له، وعدم الالتفات إلى ما سواه، والتقرب إليه، والتوبة بين يديه. فهو جمع للقلب بعد تفرق بين هوس فتن الدنيا وزخارفها وهمومها، جمع لشتات القلب المفتون على صدق الطلب، فيشتغل القلب بالله وبالاجتهاد في طاعته، حتى يخرج من شتاته وتمزقه إلى جمعيته وانجماعه على الله، حياة لنفوس المؤمنين الذين باجتماعهم عليه تحيى الأمة. فماذا نعني بالانجماع على الله؟ وما فوائده وآثاره؟ وما الوسائل التي يتحقق بها؟

أولا: مفهوم الانجماع على الله وتأصيله
1- تعــــــريف الانجماع على الله:

الانجماع مصدر من فعل انجمع والذي يعود جذره اللغوي إلى “(ج م ع) كالمنع: تأليف المتفرق .. واجتمع ضد تفرق، كاجتمع وتجمع واستجمع” 1 وجمع مع زيادة الهمزة والنون (انجمع) أو زيادة الهمزة والتاء(اجتمع) يفيد المطاوعة، والمطاوعة يصبح معها الفعل كأنه حدثَا ذاتيا، فالجمع يحصل بطواعية وانقياد واستجابة، وهذا يقرب من فهم معنى الانجماع ويوصل إلى غايته، فالمفهوم اللغوي يحيل على المقصود به في الاستعمال، وهو جمع القلب على الله، وإخلاص الوجهة له، وعدم الالتفات إلى ما سوى عبادته والتقرب إليه والتوبة بين يديه.

2- تأصيــــــــــــله:

المسلمون مأمورون في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالانجماع على الله مع المؤمنين الصادقين الذاكرين المتواصين بالحق والصبر، يقول عز وجل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(الكهف:28)، هي دعوة من الله إلى رسوله للاجتماع بالمؤمنين الذين انجمعت قلوبهم على طلب وجه الله وأعرضوا عما سواه، وهي -ضِمنا- ثناء على هؤلاء الصُّفة من المؤمنين الذي صبروا على مفارقة ملذات الحياة وفتنها وتفرغوا لذكر الله، غايتهم وجه الله. وقد حمد اللهَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم الله أن جعل من أمته من يؤمر بمجالستهم، فقال: “الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لي فِي أُمَّتِي مَنْ أمرني أنْ أصبِرَ نَفْسي مَعَهُ” 2، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يا أيُّها النَّاسُ اسمعوا واعقِلوا، واعلَموا أنَّ للهِ عزَّ وجلَّ عبادًا ليسوا بأنبياءَ، ولا شهداءَ، يغبِطُهم النَّبيُّون والشُّهداءُ على منازلِهم وقُربِهم من اللهِ” 3، فأولياء الله هم الذين يُغبطون على إخلاصهم وصِدقهم وحُبهم لله واجتماعهم لله وتواصلهم لله، فقد جُمعت قلوبهم على الله، فأضحت خلواتهم وجلواتهم كلها لله، فأدركوا المقامات العالية. فالانجماع يتحقق على مستوى قلب الفرد المؤمن متى جُمع شمل قلبه على الله، وهذا يتحقق باجتماع مجموعة من المؤمنين على ذكر الله، ومُدارسة كتابه، وانتقاء أطايب الكلام علما نافعا مُنهضا للعمل الصالح، فعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “عَن يَمينِ الرَّحمنِ وكلتا يدَيْه يمينٌ رجالٌ ليسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ يغشَى بياضُ وجوهِهم نظَرَ النَّاظرين يغبِطُهم النَّبيُّون والشُّهداءُ بمقعدِهم وقُربِهم من اللهِ عزَّ وجلَّ، قيل يا رسولَ اللهِ: من هم؟ قال: هم جماعٌ من نوازعِ القبائلِ يجتمعون على ذكرِ اللهِ فينتقون أطايِبَ الكلامِ كما ينتقِي آكلُ التَّمرِ أطايبَه” 4.

ثانيا: الانجماع على الله حياة للفرد والأمة
من أولى مهمات المؤمن في الحياة أن يجتمع على الله بقلبه ووجهته إليه، وأعلى مظاهر هذه الجمعية استشعار التفريط في جنب الله، واللجوء إليه بالاستغفار، لأن القلب توزع همه ووجهته على زخارف الدنيا وفتنها وهوسها، وهو من أجل ذلك في حاجة إلى الجمع على الله وإشهاد مرجعه إليه، وهذا يحتاج إلى صحبة وجماعة تصبر فيها النفس على ذكر الله، كما يحتاج إلى صدق في الطلب: طلب وجه الله. حتى تحيى النفس من غفلتها، وتجتمع بعد تفرقها، يقول ابن القيم رحمه الله: “…الحياة الثانية: حياة الجمع من موت التفرقة، ولها ثلاثة أنفاس، نفَس الاضطرار، ونفَس الافتقار، ونفَس الافتخار. ومراده إن شاء الله بالجمع في هذه الدرجة: جمع القلب على الله، وجمع الخواطر، و العزوم في التوجه إليه سبحانه..، وإنما كان جمع القلب على الله والخواطر على السير إليه حياة حقيقية، لأن القلب لا سعادة له ولا فلاح ولا نعيم، ولا فوز ولا لذة ولا قرة عين إلا بأن يكون الله وحده غايةَ طلبه ونهايةَ قصده، ووجه العلي هو بغيته، فالتفرقة المتضمنة للإعراض عن التوجه إليه، واجتماع القلب عليه هي مرضه إن لم يمت منه” 5، فجمع القلب على الله هو الضامن لحياته وإلا يموت ويمرض،  وهو عودة به إلى أصله الذي جُبل وخُلق عليه، عودة إلى الفطرة التي فيها راحته وحياته، ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “متى انجمع همي وتوحد، ومتى أصبحت قضيتي مع ربي أم القضايا، عندئذ تأتي القضايا الأخرى في مرتبتها  حيث تخدم الوسائل الغاية” 6.

فانجماع القلب على… تتمة المقال على موقع ياسين نت.


[1] الفيروز آبادي،  مجد الدين محمد بن يعقوب. القاموس المحيط. ضبط وتوثيق: البقاعي يوسف الشيخ محمد، دار الفكر للطباعة والنشر، ط 1995م، ص 639
[2] أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة، رقم: 4617. والطبري في تفسيره. 6 / 18.
[3] أخرجه الإمام أحمد، تتمة مسند الأنصار، حديث أبي مالك الشعري رضي الله عنه، رقم: 22906.
[4] عزاه المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 262. رقم: 2327.
[5] ابن القيم، محمد بن أبي بكر. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق عبد العزيز الجليل، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2004، 4/ 95.
[6] ياسين، عبد السلام. تنوير المؤمنات، مطبوعات دار الأفق، الدار البيضاء، ط 1، 1996م، 1 / 6.