الإنصاف بين بني الإنسان في المشروع المجتمعي للإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for الإنصاف بين بني الإنسان في المشروع المجتمعي للإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ
محمد النويني
محمد النويني

بذل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى وسعا كبيرا في إقامة منهاج نبوي، يروم بناء قيم إنسانية وأخلاقية تؤسس لمبادئ الحرية والكرامة والعدالة المجتمعية، التي تشمل السياسة والحكم والاقتصاد، وتنبذ العنف بكل أبعاده، وتدعو إلى التعاون مع ذوي المروءات في كل الملل والنحل، بما يخدم الإنسان في شؤون دنياه ويدله على غاية وجوده وتذكيره بيوم لقاء الله تعالى والعرض عليه، هكذا دعا الإمام إلى ميثاق للرحم الإنسانية يحترم قيم الإنسان ومحيطه وبيئته وهويته وكل ما يحفظ له كرامته وآدميته الإنسانية، من خلال “بناء مستقبل للإنسان يكون فيه حق الإنسان في معرفة ربه، ومصيره، ومعنى حياته، أب الحقوق وأسها” 1.

إن مرد تخلف الإنسانية عند المفكر عبد السلام ياسين هو راجع إلى تخلف في الروح والقيم، وليس تخلفا في الماديات والأدوات، فحين تتحكم المصالح والأغراض الحزبية أو الشخصية فقط في السياسة، تصبح السياسة تراجيديا مقرفة جدا وسيئة للغاية، وهكذا دحض كتاب (ما وراء السياسة) لمؤلفه الدكتور إدريس مقبول، من خلال حفرياته المعرفية في الفلسفة السياسية للأستاذ عبد السلام ياسين، مزاعم وزيف أفكار الحرية والمساواة الإنسانية بكشف هيمنة الليبيرالية، ومركزية الماركسية، ووحشية النازية… إذ ظل الإنسان غارقا وسط منظور انشطاري، وتجربة تخلو من سمو المعنى ليسقط في العدمية والعبثية وموت الضمير.

إن المجتمع الذي ينشده الأستاذ ياسين هو مجتمع العمران الأخوي، الذي يبنى على المحبة والأخوة والتعاون، وينبذ الأنانية المستعلية والذاتية المقيتة، يقول الأستاذ ياسين في كتابه إمامة الأمة “إن دخول دولة القرآن في الساحة لا نريده أن يكون عامل مزيد في الفوضى والقرصنة في العلاقات الدُّولية، فليس من صالح الدعوة الإسلامية، وهي الوظيفة العليا لدولة القرآن، أن يزداد العنفُ، وغمطُ الحقوق، وظلمُ العباد. بل يُصْلِحُها أن يسودَ الاستقرارُ والسَّلمُ ورعايةُ المصالح المشروعة لكل الدول، بإدخال الدولِ الكبرى التي يجب أن نساهم في الضغط عليها بكل وُسعنا، والثورةِ عليها إن اقتضى الحال، لينشأ جو الصداقة والإنصاف بين بني الإنسان” 2

هكذا يقترح الأستاذ عبد السلام ياسين مشروع العمران الأخوي الذي يحفظ للإنسان كرامته الآدمية، ويسعد فيه باكتشاف معنى وجوده، وينال فيه حقه الأسمى في معرفة خالقه المحرر له من عبودية الخلق وهذا ما أكده البيان النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم: “لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” 3. وفي الاتجاه نفسه يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه حوار مع الفضلاء الديموقراطيين: “اقترحنا على أنفسنا وعلى الانسان الرخاء في الأرزاق والعدل في القسمة ومعهما الإحسان والأخوة الإنسانية” 4.

ونظرا لمحورية الإنصاف بين بني الإنسان والرحمة والرفق وحسن الخلق مع الخلق في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وفي منهجه الدعوي، خصص لهما في كتابه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، شعبة عنونها باسم شعبة الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق، حيث دعا من خلالها إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في حلمه وأناته وصبره وشفقته على الخلق، حين قال: “يكون من صلب التربية والتعليم النظر في أمثلة حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأناته، وصبره، وتحمله، وشفقته على الخلق، ليكون ذلك لنا نموذجا يحتذى. فإننا لن نسع الناس، ولن ينفتح لنا الناس، إن تقدمنا إليهم بالوجه العابس والتشديد والتعسير. وفي السيرة المطهرة أمثلة رفيعة لرفق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس دينهم، وتدرجه بهم، وحلمه على ذوي الطباع الخشنة وقليلي الفقه” 5.

لقد ربط الأستاذ عبد السلام ياسين إكرام الإنسان وإنصافه ورفع الجور عنه وتحرير إرادته بالدين والعقيدة، “إن تكرمة الإنسان، وإنصافه، وكشفَ الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية للعباد دينُنا وعقيدتُنا” 6.

كما أكد الإمام بإلحاح كبير على ضرورة احترام حقوق الإنسان، وإشاعة ثقافة الدفاع عن حقوق الإنسان، وأن أي مشروع تغييري أو رسالة دينية لا يلتزمان الرفق والرحمة ببني الإنسان سيكون مآلهما الفشل والضمور بقوله: “باعِثُنا على احترام حقوق الإنسان، على أداء حقوق الإنسان، على الجهاد من أجل حقوق الإنسان، باعث عالٍ، وكل تديُّن لا يكون من مضمونه الشفقة على الخلق، ومن أهداف جهاده البِر بالخلق والعدل في الخلـق، فهو تدين أجوف. كما هي منقوصة مبتورة -إنسانيَّةٌ مع ذلك مشكورة- الاهتمامات بالحقوق الدنيوية للإنسان دون حقه الأسمى” 7.

رحم الله الإمام وأجزل له العطاء ونحن نحيي ذكراه رحيله التاسعة، لما قدم من مشروع فكري ثري يخدم الإنسانية ويسهم في استقامتها وإسعادها دنيا وآخرة.


[1] الشورى والديموقراطية، ص 123.
[2] إمامة الأمة، ص 274.
[3] رواه البخاري ومسلم.
[4] حوار مع الفضلاء والديموقراطيين.
[5] المنهاج النبوي.
[6] الاسلاميون والحكم، ص 356.
[7] العدل الإسلاميون والحكم، ص 272.