في حلقة جديدة من برنامج “رجل ومسار” الذي تبثه قناة الشاهد، واصل الدكتور منير الجوري حواره الماتع مع فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، في استحضار محطات من رحلته الطويلة في طلب العلم، بعد أن قادته هذه الرحلة من وجدة إلى تطوان، ثم أكادير وتارودانت، ثم العودة إلى وجدة، قبل أن يستقر به المقام في طنجة.
وافتتحت الحلقة باستحضار صورة قديمة التقطت للأستاذ محمد عبادي في طنجة، رفقة الشيخ عبد الله التليدي رحمه الله تعالى، وعدد من تلامذته ومريديه. وأوضح فضيلة الأمين العام أن الصورة تعود إلى مرحلة مقامه في زاوية الشيخ التليدي، حيث كان يجتمع طلبة العلم والمريدون.

وتحدث عن طبيعة الحياة داخل الزاوية، موضحا أن الطلبة كانوا يقيمون فيها ويدبرون شؤونهم بأنفسهم، مع وجود بعض المساعدات المرتبطة بالطعام وظروف الإقامة. وكانوا، إلى جانب دراستهم للحديث والفقه وغيرهما من العلوم، يعتكفون على حفظ النصوص وحفظ كتاب الله تعالى، مشيرا إلى أن الطلبة الذين كانوا معه كانوا جميعا من حفظة القرآن الكريم.
وأضاف أن الطلبة كانوا يشاركون في خدمة الزاوية، من تنظيف وترتيب وتنظيم، كما كانوا يتكفلون بخدمة الفقراء والمريدين حين يجتمعون فيها. أما شؤون الطلبة فكانت منظمة بينهم، بينما كان للزاوية والفقراء نظام خاص ومقدم يتولى ترتيب شؤونهم.
وفي حديثه عن أجواء الزاوية، ذكر الأستاذ عبادي أن “الفقراء” كانوا يجتمعون يومي الخميس والجمعة لذكر الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خصوصا أن الشيخ التليدي كان يخطب الجمعة. فكانت المناسبة تجمعهم بعد الصلاة على الطعام والذكر، ثم ينصرفون. كما كانوا يجتمعون أحيانا ليلة الجمعة لقراءة أوراد مختلفة، وتلاوة القرآن، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنشاد المدائح النبوية، دون أن يبيتوا في الزاوية.
وانتقل الحوار بعد ذلك إلى دوافع هذه الرحلة الطويلة في طلب العلم، فسأل المحاور الضيف عما إذا كانت نشأته في وسط ديني وحفظه المبكر للقرآن الكريم هما اللذان ولّدا لديه الرغبة في طلب العلم، أم أن أسبابا أخرى ظهرت بعد مرحلة البكالوريا، فأكد أن حب العلم كان أمرا فطريا تربى عليه منذ نعومة أظفاره مع والده رحمه الله، لكنه لم يجد في البداية مجالا واسعا للتوسع في المعارف.
وقال إنه كان يقرأ كل ما يقع بين يديه، حتى إنه قرأ كثيرا من كتب الأدب، وخاصة أدب المهجر. واستحضر في هذا السياق واقعة من أيام دراسته في المرحلة الإعدادية بالحسيمة، حين كلفهم أستاذ جديد بموضوع إنشائي حول اللغة العربية، فلما اطلع أستاذه على ما كتبه وضع خطا أحمر على الورقة وكتب: منقول من جبران خليل جبران. غير أن الأستاذ عبادي أوضح أنه لم يكن قد فتح كتابا لجبران، ولكنه كان متأثرا بأسلوبه، مما جعل الأستاذ يشعر بأن النص قريب من كتابة جبران. ومنذ ذلك الحين توثقت صلته بذلك الأستاذ، وكان هو من أهداه كتاب “الإسلام بين الدولة والدعوة” للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله.
وبخصوص سر انجذابه إلى طنجة دون غيرها من المدن التي مر بها، أوضح أن طنجة كانت تتميز بخصائص علمية وروحية جعلتها موئلا للعلم والعلماء والأولياء والصالحين، خصوصا أسرة الصديق رحمهم الله تعالى. وذكر أن هذه الأسرة كانت ذات مكانة علمية مرموقة، خاصة في علم الحديث، وأن شهرتها في المشرق كانت أوسع من شهرتها في المغرب.
وأشار إلى أن طنجة كان فيها شيوخ، ولكل شيخ تلامذته ومحبوه، فمن جهة كان فيها من يمثل التجديد في الفقه والحديث، ومن جهة أخرى كانت فيها مدارس تقليدية تعنى باللغة العربية والنحو والفقه وسائر العلوم. ولذلك، كما قال، جمعت طنجة بين الطريف والتليد، وبين القديم والحديث، رغم ما كان يعكر أجواءها أحيانا من خلافات جزئية في بعض القضايا الفقهية.
وأكد الأستاذ عبادي أن السنوات الخمس التي قضاها في طنجة كانت كلها سنوات تحصيل علمي، إذ لم يكتف بالحضور عند الشيخ عبد الله التليدي، بل كان يحضر أيضا مجالس علماء آخرين، خاصة في شهر رمضان، حين كانت المساجد تعج بالوعاظ والعلماء. وذكر من هؤلاء والد الأستاذ أبي بكر الصديق، سيدي حسن الصديق، وعمه سيدي عبد العزيز، وسيدي عبد الحي المتخصص في الأصول، واصفا إياهم بأنهم كانوا من أهل العلم والصلاح، ولا نزكي على الله أحدا. وأضاف أن فضل هؤلاء العلماء يعود إلى والدهم، الذي وصفه بأنه كان من أولياء الله تعالى، ومن العلماء العاملين الربانيين، وقد تربوا على يديه، فكانوا مشاعل للنور المحمدي. وأكد أنه أخذ عن هؤلاء الرجال أصنافا متعددة من العلوم الشرعية.
وفي محور العلم الشرعي ومكانته في حياة المسلم، شدد الأستاذ عبادي على أن العلم الشرعي يرتكز على كتاب الله تعالى، وأن كل العلوم التي أصّلها علماء المسلمين إنما كانت في خدمة القرآن الكريم، سواء تعلق الأمر بالعلوم النقلية أو العلوم العقلية، فالقرآن، هو مصدر عز الأمة ومجدها وقوتها. وأوضح أن مصيبة المسلمين تبدأ حين يبتعدون عن كتاب الله تعالى، لأن الابتعاد عنه يؤدي إلى التشتت والضعف ونشوء الفتن والوهن. وفي المقابل، فإن التمسك بالقرآن هو سبيل استرداد العزة والقوة والمجد الذي ضاع من الأمة قرونا طويلة. وأعرب عن أمله في أن يكون هذا العصر عصر رجوع إلى كتاب الله تعالى وصلح معه، حتى تستعيد الأمة ما عاشته في عصر النبوة والخلافة الراشدة من عزة وقوة ومجد وحمل لدعوة الله في الآفاق.
وفي معرض جوابه عن العلاقة بين حفظ القرآن والمسار العلمي، أكد أن الطريقة المتبعة في تاريخ المسلمين كانت تبدأ بحفظ كتاب الله تعالى، وأنه إلى عهد قريب، قبل الاستقلال، لم يكن يتصدى للعلم في الجامعات أو الثانويات من لم يكن حافظا للقرآن الكريم. غير أن الاستعمار، كما قال، أدرك أن القرآن هو مصدر قوة المسلمين، فعمل في زمن وجيز على فصل الأمة عن مصدر عزها وقوتها. واستحضر في هذا السياق كتاب الأستاذ أنور الجندي «الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون»، موضحا أن المقصود به مناهج التعليم الغربية التي استوردها المسلمون وظلوا أسرى لها. واعتبر أن هذه المناهج أنشأت أجيالا فاقدة لأصالتها وهويتها، تعيش انفصاما فكريا وسلوكيا، يجمع بين شيء من الإسلام وشيء من الفلسفة الغربية وشيء من الديمقراطية وشيء من الشيوعية وغيرها من المؤثرات المتفرقة.
ودعا الأستاذ عبادي إلى التصالح مع الهوية والأصالة، والرجوع إلى كتاب الله تعالى، لأنه الأصل الذي تستمد منه الأمة العلوم وما يرفع شأنها في الدنيا والآخرة. وذكر أن المسلمين الذين سبقوا في العلوم التجريبية إنما دفعهم إلى ذلك كتاب الله تعالى، بما فيه من دعوة إلى السير في الأرض والنظر في الملكوت والتأمل في أسرار الكون وقوانينه، لتوظيفها في خدمة الإنسان والصالح العام. ونبه إلى أن العلوم، حين تفصل عن التزكية والتربية والروحانية، تعطي نتائج عكسية. ولذلك لا بد، في نظره، من أن يتلقى المسلم كتاب الله تعالى بنية التنفيذ، وأن يتلقاه بقلبه قبل عقله، لأن القرآن نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقلب هو ملك الجوارح، وهو الذي يدفعها إلى الانضباط والتقوى والالتزام بشرع الله تعالى.
وفي حديثه عن استمرار حضور القرآن الكريم في المغرب رغم آثار الاستعمار في المناهج التعليمية والتربوية، قال الأستاذ عبادي إن المغرب حباه الله بخصائص تميزه عن غيره من الأقاليم الإسلامية، فهو موطن للأولياء ولآل البيت، والمغاربة لهم حب عميق لأهل البيت، كما أن لهم حبا كبيرا لحفظة كتاب الله تعالى. وأوضح أن المغاربة احتضنوا التعليم القرآني، وأن هذه الظاهرة ما تزال حاضرة في القرى والمناطق المختلفة، مشيرا إلى أن حفاظ المغرب وقراءه يحققون مراتب متقدمة في مباريات التجويد على المستوى العالمي، صغارا وشبابا وكهولا. واعتبر ذلك دليلا على أن الخير ما يزال وافرا في المغاربة، بما حفظوه من محبة للقرآن وأهله.
وفي الجزء الأخير من الحوار، عاد الضيف إلى أوضاع ما بعد الاستقلال، وما عرفته تلك المرحلة من اضطرابات واغتيالات واعتقالات واختطافات، وما خلفته من آثار عميقة في الشعب المغربي الذي كان ينتظر عهدا جديدا بعد خروج الاستعمار. واتخذ من منطقة الريف، وخاصة الحسيمة، نموذجا لما وقع من تهميش بعد الاستقلال، فقال إن المنطقة همشت تهميشا شديدا، ولم تكن فيها طرق ولا شروط اقتصادية كافية، كما جرى تشجيع الشباب على الهجرة، بل دفعهم إليها أحيانا، بدعوى أن المنطقة مصدر ثورات واضطرابات، فكان المطلوب إفراغها من شبابها.
وأضاف أن المسؤوليات في المنطقة لم تكن تسند إلى أهلها، بل كان يؤتى بموظفين ومسؤولين من مناطق أخرى، وهو ما اعتبره وسيلة لتفكيك أواصر المجتمع. ونتيجة لذلك، عرفت المنطقة نسبة هجرة خطيرة، خصوصا في الستينيات والسبعينيات، حيث هاجر كثير من الشباب إلى أوروبا، ليجدوا أنفسهم في مناطق معزولة يشتغلون في الأعمال الشاقة، خاصة في المناجم، فانتقلوا من ظروف قاسية في المغرب إلى جحيم آخر من نوع مختلف.
وخلص إلى أن الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المتردي هو الذي أدى إلى بروز ثورات واحتجاجات، ومحاولات انقلاب، معتبرا أن الفساد والرشوة وسوء الأحوال دفعت الناس إلى الثورة على الوضع القائم أملا في تغييره.
وأكد الأستاذ عبادي أن المغاربة كانوا يحلمون بمغرب آخر، يعرف الحضارة والتقدم والازدهار والرقي، وتعود إليه هويته الإسلامية، ليصبح نموذجا يقتدى به، لا أن يبقى في مؤخرة الركب أو في آخر قافلة البشرية من حيث التنمية البشرية. ولفت إلى أن المغرب يتوفر على إمكانات ومؤهلات وطاقات شبابية وموارد طبيعية هائلة، من معادن ومناجم وفوسفاط وغيرها، وكان من الممكن أن تضعه في مراتب متقدمة، كما وقع مع دول ركزت على التعليم فارتقت سلم الحضارة، وفي مقدمتها سنغافورة.
وختم بالتأكيد على أن التعليم هو المدخل الحقيقي للنهوض، وأن الأمم التي جعلت منه أساسا لبنائها استطاعت أن تتقدم، ولو لم تكن تملك ثروات مادية كبيرة.