إضاءات حول بعض قضايا المؤمنات (4).. الحجاب

Cover Image for إضاءات حول بعض قضايا المؤمنات (4).. الحجاب
نشر بتاريخ
رشدي بويبري
رشدي بويبري

قضية الحجاب

اعتبر الإمام “عبد السلام ياسين” أن المرأة المسلمة مدعوة، بإصرار، إلى الترفع عن الانشغال بالهموم الضيقة وإلى الاهتمام بمصيرها ومصير أمتها، والاهتمام بفاعليتها في عملية النهوض التي تُباشرها الأمة الآن. ثم هي مخيرة بين امتلاك إرادتها الحرة أو البقاء أسيرة في براثن نمطين من الاستلاب، استلاب الأعراف المهترئة التي تنحط بها إلى زاوية ضيقة من الحياة العامة، واستلاب التغريب الذي يختزلها في جسد يشتهي ويتمتع وعقل يطغيه هوس الجسد ومطالبه. بين هذا كله وبين إرادة الانعتاق من أسر التخلف والتغريب ـ بكل أصنافهما ـ والمشاركة بجد في بناء مستقبل زاهر لها ولأمتها، تحفظ فيه كرامتها وتصان حقوقها وتراعى واجباتها. وليس إلا الإسلام منطلقا لهذه اليقظة. وأول رمز ليقظة المسلمة هو حجابها، فهذه الأخيرة “تعبر بحجابها وزيها عن أشواق إسلامية وروح المسجد لما تتمكن في طواياها” [1]. والزي الإسلامي “المحتشم رمز في نفس اللابسة لما يعتلج في ضميرها وما يختصم، وهو في عين المراقب السياسي مقياس لقوة المد الإسلامي” [2]. وهو “رمز حياة جديدة ونهضة وقوة في نظر العالم، فلا يكن مجرد مظهر تحته الخواء الروحي ورقة الإيمان” [3].

لكن النسوانيات يعتبرن أن حجاب المرأة المسلمة سبب في انحطاطها ودليل عليه في نفس الوقت، وتغفلن أو تتغافلن عن الأسباب الجوهرية التي وَلّدت واقعا متعفنا ألغى قيمة المرأة واختزلها إلى رقم في معادلة باطلة. هذا الواقع، كما سبقت الاشارة، تظافرت فيه عوامل الانحطاط التاريخي المتولد عن إفرازات الحكم العاض والجبري وعوامل الاستعمار الذي نخر كيان الأمة وجزّأها وألغى اعتبارها. يقول الأستاذ ياسين: “أما في أصل الشرع فالحجاب إذنٌ صريح للمرأة المسلمة بالخروج من بيتها لحوائجها وصلاتها وكسبها ومشاركتها العامة في الحياة. إذ لولا ضرورة الخروج، ومشروعية الخروج، لما كانت هناك حاجة لتوصية المرأة المسلمة بستر زينتها وصَوْن جسدها. إنما الصوْن وواجب السّتْر اتقاءٌ للأنظار الأجنبيّة خارج بيتها أساسا” [4].

إن حضور المرأة المسلمة وسط المجتمع وقيامها بوظائفها يفرض التزامها، هي والرجل المسلم على السواء، بآداب اللقاء والتعاون. إذ ليس في شرع الله ما يمنع المسلمة من الشهود في مجتمعها وبين بني جنسها بفاعلية وقوة. ويؤكد الإمام ذلك بقوله: “لقد كانت الفتوى العملية مستمرة طول ثلاث وعشرين سنة. تثبت أن المرأة المسلمة شخص كامل الحق في المجتمع ما لزمت ولزم الرجال الآداب الشرعية. وليس هناك نص واحد في كتاب الله ولا فتوى قولية من رسول الله تمنع المسلمات والمسلمين من اللقاء والتعامل والتّحادث والتعاون” [5].


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات،  مطبوعات الأفق، الطبعة الأولى، 1996، ج 2، ص 122.
[2] نفسه.
[3] نفسه.
[4] نفسه، ص 122.
[5] نفسه، ص 132. 

من كتاب “قراءات في الفكر المنهاجي”، للدكتور رشدي بويبري، الطبعة الأولى، 2021، صص 96 – 98.