أسوار مراكش لا تستعار

Cover Image for أسوار مراكش لا تستعار
نشر بتاريخ

ما بين حائط وحائط لا تبدأ الحكاية فحسب، بل تنفتح على طبقات من المعنى، وتتسع حتى تغدو شبكة من الدلالات المتداخلة؛ كأن المكان ذاته يتحول إلى نص مفتوح، تقرؤه الذاكرة قبل العين، وتعيد صياغته الأسوار قبل الكلمات. هنا، عند حائط باب دكالة، لا يقف الحجر جامدا كما قد يوحي به المشهد الأول، بل يبدو كأنه يستعيد ذاكرة طويلة من الإنصات، ويستدعي ما تراكم في صمته من إشارات التاريخ وارتجاجات الزمن، لتغدو الأسوار الممتدة في جسد مراكش، من باب الفتوح إلى باب أغمات، كأنها كيان واحد يتكلم بصوت جماعي، ويصوغ خطابا لا يقال بقدر ما يستشعر.

الصلاة عند حائط باب دكالة ليست لحظة عابرة أو طقسا منفصلا عن سياقه، بل هو تقاطع سرديات تتجاور فيه القراءات وتتصادم فيه التأويلات؛ ما بين قراءة تحاول أن تحصر الفعل في بعده الظاهر، وقراءة أخرى تنفذ إلى عمق الرموز، حيث لا تنفصل الإيماءة عن تاريخها، ولا ينفصل المشهد عن امتداداته. وهنا تتدخل الذاكرة، لا بوصفها أرشيفا ساكنا، بل بوصفها وعيا يقظا يعيد ربط التفاصيل بخيوطها البعيدة، ويضع كل فعل في سياق ما يحمله من حمولة دلالية لا يمكن اختزالها في لحظة واحدة.

وحين تُستدعى صور من خارج السياق، حيث تتجاور الصلاة عند حائط المبكى مع الصلاة عند حائط باب دكالة، لا يعود الأمر مجرد تشابه في الأفعال، بل يفرض علينا سؤالا عميقا: ما الذي يختبئ وراء هذه الصلاة؟ وما الدلالات الرمزية التي تحملها في طياتها؟ إنها ليست فعلا بريئا معزولا، بل تعبير عن منطق واحد، هو ذاته الذي سلب أرضنا في فلسطين وشرد أبناءنا. فهل يجوز أن نغفل عن هذا الامتداد ونحن نرى هذا العدو يخطو على أرضنا؟ إن هذه الطقوس، في جوهرها، لا تختزل في كونها حركات دينية، بل تنفتح على أفق سيميائي تتوارى خلفه أنطروبولوجيا الصراع، حيث يعاد تشكيل الوعي عبر الرموز، وتبنى الدلالات بما يتجاوز ظاهر الفعل إلى عمقه التاريخي والرمزي.

ومن هذا العمق تتكلم الأسوار مرة أخرى، لا بوصفها حجارة متفرقة، بل بوصفها ذاكرة متماسكة، فتعلن أن مراكش لم تبن لتكون سطحا قابلا لإسقاط كل السرديات، بل لتكون كيانا له وعيه الخاص، يميز بين ما يستقبل بوصفه تعايشا، وما يرفض بوصفه توظيفا للرموز خارج سياقها.

وفي هذا الأفق، تتداخل أصوات المدينة كلها: الأزقة العتيقة، والامتداد الروحي لفضاء سبعة رجال، وصدى التاريخ المرابطي الذي مثله يوسف بن تاشفين؛ لتتشكل في نسيج واحد، لا يصرخ بل يهمس، غير أن همسه واضح الدلالة، أن التعدد الذي عرفته هذه الأرض لم يكن يوما ذوبانا للهوية، بل كان حوارا منضبطا بوعي وحدود. وأن التعايش المحمود هو نفسه الذي جسد جوهره ميثاق المدينة النبوية، حيث ضبطت العلاقة بعهود واضحة تحفظ الحقوق وتحدد المسؤوليات. لكن حين ينقض هذا الميثاق، ويتحول الفعل إلى أداة للتمدد الرمزي وإعادة تشكيل الوعي، فإن الأمر لا يعود تعايشا، بل يتحول إلى مسار آخر، عرفه التاريخ حين انتهى بنقض العهود وإخلال التوازن.

من هنا لابد أن يتشكل موقف أهل مراكش والمغرب قاطبة، لا بوصفه انفعالا عابرا، بل بوصفه وعيا بتاريخ الرموز وخطورة توظيفها؛ إذ إن ما يبدو طقسا دينيا بسيطا قد يحمل في طياته إشارات أعمق، تبدأ بالإيماءة وتنتهي بإعادة تشكيل المعنى، تبدأ بالفعل الرمزي وقد تنفتح على امتدادات تمس الأرض والهوية معا.

فأسوار مراكش لا تستعار، ولا يمكن أن تتحول إلى فضاء تؤدى عليه طقوس تسقط عليه دلالات من خارج سياقه. إنها ليست مجرد حجارة، بل حدود للمعنى، وذاكرة حية، وخطاب صامت يرفض أن يعاد تأويله بما يناقض تاريخه.

وفي الأخير، إننا نرفض أن تتحول أسوار مراكش إلى أداة ترسم عليها سردية دخيلة، نرفض أن يكون ذلك طريقا لتزوير معاني تاريخنا، وتفريغها من جذورها. فالأسوار، في صمتها، تتكلم بصيغة الجمع، لتعلن أن ما حفظ عبر القرون لا يعاد تشكيله بحدث عابر، وأن ذاكرة المكان ليست قابلة للاستعارة ولا للمحو، وأن كل خطوة تحاول سحبنا نحو ذوبان الهوية، هي خطوة نحو الهلاك.