أسئلة مُزعِجَة حول زكاة الرواتب والأجور

Cover Image for أسئلة مُزعِجَة حول زكاة الرواتب والأجور
نشر بتاريخ

بقلم: ادريس قافو

اختلف العلماء في وجوب زكاة الرواتب والأجور ومداخيل المهن الحرة، وهدف هذا المقال ليس ترجيح اجتهاد على آخر، لأن ذلك من مهام ذوي الاختصاص، إنما هدفه مواجهة النفس بما يثقل عليها من الحقائق والأسئلة، وأخذها كما يقال بالموت كي تقبل بالحمى، ومطالبتها بالعُشر كي تقبل بربعه، وجرها بعد (استنطاقها) إلى فضاء تتجرد فيه من أهوائها قبل إقبالها على انتقاء ما تميل إليه من اجتهادات فقهية.

أغلب الناس يعملون بالرأي القائل بعدم وجوب زكاة الرواتب والأجور، على الأقل في المحيط الذي أعرفه. هل ذلك تماشيا مع ما تريده النفس؟ أم ترجيحا شرعيا لعدم الوجوب؟ أم لكون الرأي القائل بالوجوب مغيب أو غير مُقنِع؟ الله أعلم. الأكيد هو أنه إن كان ذلك تماشيا مع ما تريده النفس، فالإنسان في تلك الحال متبعٌ لهواه. وإن كان ترجيحا شرعيا لعدم الوجوب، فعليه أن يسأل نفسه بصراحة مع الذات الأسئلة التالية:

الأسئلة المُزعِجَة في فقه الزكاة

هل يستقيم منطقيا أن يُؤخذ العُشُر أو نصف العُشُر من فلاح استأجر أرضًا، ولا تُؤخذ الزكاة من صاحب الأرض المستأجِر لها في الحالات التي يفوق فيها الكراءُ النصابَ بكثير؟

هل يُعقل أن يؤخذ عُشُر المحصول الزراعي من فلاح صغير حرث وكدَّ وحصد، ولا يؤخذ رُبُع العُشُر من موظف أو طبيب أو مقاول… دخله الشهري أكبر من الدخل السنوي للفلاح؟ أم أن الفلاح يجب عليه شكرُ السماء التي أمطرت، واستغفر الله على هذا التعبير، في حين أن العامل بالقطاع الخاص إنَّمَا أُوتِي ماله على علم عنده، وموظف الدولة تكفيه الضريبة شهرية التي تُقتطع من راتبه، ثم بعد ذلك هو غير مدين لأحد بفضل في ماله غير الدولة، ولا ينتظر إلا نهاية الشهر؟

أليس من المنطقي، لو كان الدين بالرأي، أن تُطرح فكرة وجوب الخُمُس في رواتب بعض الموظفين الذين يتقاضون أجوراً خيالية، ولا يقومون بأي جهد يناسب تلك الأجور، قياسا على الغنائم؟

 هل يُعقل وجوب الزكاة في خَمسة من الإبل، مع عدم وجوبها في خمس عمارات يفوق إيجارها الشهري ثمن الإبل الخمسة مجتمعة؟

وقائمة الأسئلة المُزعِجَة لا تنتهي، لكن خلاصتها هي:

هل يُعقَل أن يبقى فقه الزكاة عند البعض أسيرا لفتاوى أحوالٍ تغيرت، والفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والمُستفتِي كما تقول القاعدة؟

 وهل يُعقَل استمرار العمل بالفتوى (المُشوِّشة) التي تقول إن الفواكه والخضروات ليس فيها زكاة، وهو مذهب الجمهور؛ مذهب مالك والحنابلة والشافعية، في حين أن بعض ضيعات التفاح والموز… تدرُّ مداخل صافية تفوق مدخول الفلاح الصغير في سنوات، إن لم يكن في عمره كله؟

وقبل أن يجيب المنكرُ لهذا النوع من الزكاة نفسَه عن هذه التساؤلات عليه قبل كل شيء طرح سؤال: ما هي الغاية من الزكاة؟ كي تَنْظِمَ الغايةُ الإجاباتِ فتسير في المسار الصحيح.

ما الغايات من الزكاة؟

 لا يتسع مقال لحصر الغايات من الزكاة، من حيث هي شكر لنعم الله، وتزكية للنفس من الحرص والشح، وتطهير للمال والجسد، ووسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي… لذلك تكفي الإشارة إلى علاقتها بأم الغايات وهي الهداية إلى الصراط المستقيم، فزكاة المال هي باب من أبواب الإنفاق الذي اشترطه الله تعالى كشرط أساسي للاهتداء بكتابه.

فبعد سورة الفاتحة التي خُتمِت بطلب الهداية؛ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 1 افتُتِحت سورة البقرة بأداة الإشارة إلى مصدر الهداية وشروط الاستفادة من ذلك المصدر؛ قال الله تعالى:

ألم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 2.

فالانتفاع بهدي القرآن لا يكون إلا بالتقوى الذي يتأسس على اليقين بالآخرة، الإيمان بالحق سواء كان معك أو مع غيرك 3، والإنفاق وإقامة الصلاة، والإيمان بالغيب وأعلى مراتبه أن تؤمن بالله كأنك تراه.

فزكاة المال وإنفاقه عموما يجب ألاَّ يُنظر إليه كضريبة يتحاشى الإنسان عقاب عدم دفعها، أو كحسنةٍ يطلب فقط أجر فعلها، بل هي وسيلة وقربة لفهم كتاب الله الذي يتأسس عليه مصير الفرد وفلاحه في الآخرة.

وإذا أزعجتك أيها القارئ الكريم هذه الأسئلة، وكنت حريصا على ألا تفوتك أم الغايات، وحريصا على الانتفاع بكتاب الله، فلا تُفوِّت فرصة الاطلاع على الاجتهاد الآخر المغيب والثقيل على النفس، وإذا تساوى عندك الاجتهادان في الحُجّية، ففكر في ميزان ابن عطاء الله السكندري إذ يقول لك: (إذا التَبسَ عليكَ أمرانِ فَانظُر أثقلهما على النفس فاتّبِعهُ؛ فإنهُ لا يَثَقلُ عليها إلا ما كان حقًا).  

الاجتهادُ الثقيلُ على النفسِ والمغيبُ

وحتى لا تَرجَح كِفَّةُ ما تريده النفس، و يَرجَح تغييب الاجتهاد الثقيل عليها، لابد من التذكير بالرأي الآخر، رأي العلماء الذين أوجبوا زكاة الرواتب والأجور ومداخيل المهن الحرة، ومنهم الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، حيث قال: “تؤخذ الزكاة من الرواتب ونحوها، والتكييف الفقهي الصحيح لهذا الكسب أنه مال مُستفاد” 4. أما في تحديد المقدار فيقول: “وأما الدخل الناتج عن العمل وحده كإيراد الموظفين وذوي المهن الحرة الناتج من أعمالهم، فالواجب فيه ربع العشر فقط، عملا بعموم النصوص التي أوجبت في النقود ربع العشر فقط، سواء أكانت مستفادة أم حَالَ عليها الحوْل، وتطبيقا للأصل الإسلامي في اعتبار الجهد مخففا لمقدار الواجب، واستئناسا بما عمل به ابن مسعود ومعاوية من اقتطاع هذه النسبة -باعتبارها زكاة- من أعطيات الجنود ووغيرهم من المرتبين في ديوان العطاء، وما فعله بعدهما الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فالقياس على هذه الأعطيات أولى من القياس على دخل الأرض المزروعة” 5.


[1] سورة الفاتحة، الآية 6.
[2] سورة البقرة، الآيات من 1 إلى 4.
[3] الدين حين يتحول إلى انتماء عصبي يصبح ما عندك من حق حاجبا ومانعا لرؤية ما عند الآخر من حق كذلك.
[4] القرضاوي، يوسف: “فقه الزكاة”. ج1، ص490.
[5] القرضاوي، يوسف، “فقه الزكاة”. ج1، ص489.