منفيات وراء جبال الاطلس

حطت الثلوج فوق قمم جبال الأطلس فاكتست الجبال حلة بيضاء وكأنها إمام يقف على منبر. فانتشر البياض وعم السلام ولاح نور الصفاء في الأفق معلنا ألا سواد ولا كدر بعد اليوم. ترى ماذا تخبئ تلك الجبل وراءها؟ هل هناك عالم بعد تلك الجبال أم لا وجود سوى للسراب؟ فلنكتشف إذن أسرار ما وراء جبال الأطلس
فتيات فاتهن ركب الدراسة، شابات في عنفوان الشباب ينتظرن من يطرق بابهن لينقدهن من شبح العنوسة، برعمات وزهرات لعبهن حطب وطوب وطين، نساء كسرت ظهورهن أحمالهن الثقيلة من الحطب أو الحشائش فغيبت الأعمال الشاقة فيهن آثار الأنوثة، عجائز طال بهن الأمد لا يعرفن في الوجود سوى منازلهن والحقول والجبال حتى أصبحن يحكين حكاياتهن وكأنها حكايات ألف ليلة وليلة، ورجال قصم الزمن ظهورهم ففاقت حكاياتهم حد الخيال فاستسلموا ورضوا بما يعيشونه منتظرين *المعجزة*. هذه تركيبة من حاصرتهم جبال الأطلس بثلوجها وعليائها وبين فجاجها. هذه تركيبة مجتمع قد لا يعلم البعض بوجودها ومن يعلم لا يتذكرها إلا وقت الفترات الإشهارية للتغطية الاعلامية حول التضامن وكأن هؤلاء الناس ليس لهم حق المواطنة كباقي الشرائح في الوطن.
ترى ماذا سنقول لهؤلاء النسوة بمناسبة يومهن العالمي؟ بل هل يعلمن أن لهن يوما في السنة للاحتفال وهن اللواتي يعشن الغربة والنفي في أوطانهن؟ هل كان ذنبهن أن خلقن في تلك المناطق ليحاكمن بحكم النفي في الوطن؟ ألا تستحق معاناتهن التفاتة مسؤولة تنصفها وتحقق لها الحرية والكرامة؟ هل من العدل أن يبقى مطلبهن في الحياة رغيف خبز وماء للشرب في حين تتقلب مثيلتهن في أنواع الترف والبذخ؟ هؤلاء نساء قاست قبلهن أجيال ولا تزال هذه الأجيال تكابد مرارة العيش والجهل والفقر. أو ليست هذه ظلمات أحلك من سواد الليالي العاصفة؟ هؤلاء نساء مزق الفقر أوصال أسرهن فرضين بالقليل المتوفر لتسير بهن قافلة الحياة إلى المجهول وغاية سعادتهن الالتفاف حول نار للتدفئة وترديد أهازيج شعبية تحكي قصصهن مع الحيوانات والطبيعة وكأنهن طرزنات زمانهن.
ان الزائر لهذه المناطق سيتبادر الى ذهنه في أول وهلة أنهم لا تنتمين الى مغرب التنمية والتقدم والتطور...بحيث لا تتوفر لديهم أدنى متطلبات العيش الكريم بدءا بوسائل النقل التي تيسر التواصل بينهم وبين *عالم الحضارة *،فيضطر المتنقل الى قطع العشرات بل المئات من الكيلومترات على الأرجل على ظهور دواب تحولت عظامها الى مناجل من شدة الجوع والعمل القاهر ولا يلجأ الى الهليكوبتر إلا للإشهار بأن المسؤولين يقومون بعملهم كما ينبغي. توفي العديد منهن وهن يحاولن بلوغ المستشفى للولادة، ومن بقي منهن على قيد الحياة وضعن أولادهن بين فجاج الجبال. لكن الغريب في الأمر أن هؤلاء المنفيون يستقبلون الوافد عليهم بفرحة لا توصف وبكرم يفوق كرم حاتم الطائي رغم أن ليس لدهم ما يقدمونه سوى البسمة التي تعلو وجوههم والحمد لله التي لا تفارق ألسنتهم. والأغرب في هذا كله هو إصرارهم على مواصلة العيش هناك رغم أنه منفى بامتياز.
أما آن الأوان أن تتحسن أوضاع هؤلاء المنفيين أم تراهم مواطنين من الدرجة الثانية؟ ماذا ننتظر من نساء كل ما يعرفنه الطبخ والكنس ورعي الغنم وترديد أهازيج يتشاركن صداها مع الأشجار والحيوانات والجبال... أي عذر نعتذر به لهن أن أقصين من الركب الحضاري للأمة؟ وماذا سيخبرها الثامن من مارس لهذه السنة؟







