ملاحظات تصفُّحٍ سريع للحدث الأفغاني

- طبيعي أن يثير حدث سيطرة طالبان على الحكم في بلد إسلامي، نقاشا كبيرا، ويطرح تساؤلات كبرى لدى عموم أفراد الأمة، وعلى رأسهم المهتمين بالشأن السياسي، ومن ضمنهم أعضاء ومناصرو الحركات الإسلامية، وبالتالي فأي استغراب من مشاركة الجميع في النقاش والتحليل والتعليق ومحاولة الفهم، هو المستغرَب في حدّ ذاته، لا تدوين الناس ونقاشاتهم.
- طبيعي أيضا أن تختلف المقاربات، وتتوزّع التفاعلات، ما بين مبتهج مرحّب، وما بين حَذِرٍ متوجّس، أو معترض منذر غاضب، حسب استيعاب كل واحد لسياق الحدث وتاريخ ما يجري في أفغانستان، ومنسوب الوعي الاستراتيجي بالصراع وأبعاده الداخلية والخارجية، والرمزية الإيديولوجية لما يقع.
لكن يجب التأكيد ابتداءً على بضعة أمور أساسية، لا بد من الارتكاز إليها حتى لا نتيه في ردود الأفعال سلبا أو إيجابا، أو تجرفنا العواطف، أو تنحاز بنا التكتلات المسبقة، أو نمطية الصور الذهنية المرسخة في حرب طويلة تدخل في صناعة فصولها عباقرة الاستخبارات والإعلام والسياسة، ومجرمو الحروب ورعاة الإرهاب ومهندسو تفتيت الدول، وتجار الأسلحة وغيرهم..
أولا:
كان الصراع عسكريا عنيفا، وممتدا في الزمن، لم يرعو كل طرف عن استعمال كل ما طالته يدُه وجُهدُه (مع ضرورة التمييز بين المحتل الغاشم وما بين المقاومة المشروعة)، وبالتالي فأنه لا مجال للرومانسيات الحالمة التي تريد أن تلغي منطق القوة والسلاح في معركة دموية امتدت لعشرين سنة، ومن السذاجة تصوّر التوافقات الحالمة بين الفصائل الأفغانية أو ما تبقّى من النظام المنهار، لأن منطق القوة المسلحة لا يفهم في هذه الأمور إلا إذا كانت ستؤثّر على حجم قوته أو وجوده، ولهذا دعونا رجاءً ننتظر ما ستسفِرُ عنه الأيام من اعتزاز بمنطق "المسلّح العسكري المنتصر"، أو الرجوع الحكيم إلى "منطق السياسي العقلاني، وإن كانت هناك بعض المؤشرات المتوفرة حاليا، كبيان طالبان بعد حصارها العاصمة، فإنها غير كافية للحكم بتاتا.
ثانيا:
من السذاجة ربط انتصار طالبان العسكري بمجرد صفقة مفاوضات طارئة، لم تحدث إلا بعد سنوات مريرة من القتل و"إرادة الإفناء"، استُعملت فيها كل الأدوات المقيتة، سواء كانت الطائرات المسيرة التي تقصف الأعراس والحفلات كما تقصف مجموعات المسلحين، أو كانت عمليات التفجير الذاتي التي تقتل المستهدفين وتحصد من معهم من الأبرياء والعابرين. ولذلك، فالمفاوضات، أمر أملته رغبة الخروج الأمريكي من أفغانستان، سواء كان هذا الخروج بسبب مراجعة حسابات السياسة الأمريكية الخارجية استعدادا لمعارك أكبر مع صعود الصين وطموح إيران وروسيا، أو كانت بسبب ضربات طالبان وحربها الاستنزافية الطويلة الأمد، وحجم الخسائر العسكرية، وكلفة الإنفاق العسكري المتزايد بلا أهداف كبرى. وقد جرت العادة في مختلف الحروب أن تكون هناك ترتيبات معينة قبل انسحاب المستعمر، وهي ترتيبات لا يتم احترامها بالضرورة، وإن كان لها آثار في المرحلة المقبلة، حسب مستوى الذكاء الاستعماري، ومستوى قوة الجهة التي تسلمت السلطة.
ثالثا:
تصوير دخول طالبان إلى كابول على أنه فتح إسلامي مبين، أمر فيه بعض المبالغة والحماسة التي لا تليق، فالأمر يتعلق ابتداءً بحركة مسلحة ذات أساس قَبَلي عَصَبي، مهما كان تديُّنها، وتجذّرها الشعبي، وإشعاعها الرمزي، ونحن لا نعرف، حسب حدود اطلاعنا، درجة استيعابها، لأمر الحكم وقيادة الدولة وحملها لمشروع إسلامي متكامل وصالح للتجميع والتنظيم والبناء، في سياق دولي معادٍ لكل من يحمل شعارا أو رمزا إسلاميا، فما بالك إن كان يعلن عن كون دولته "إمارة إسلامية"، وله سوابق في تبنّي فهم ضيّق جدا لأمور دينية وأخرى سياسية وثقافية، ذات طبيعة حساسة، في عالم موّار ويحتاج حكمة وحنكة ودهاء وتوفيقا.
ولعلّ نفس الملاحظة ينبغي توجيهها لمن يبخس من قيمة ما وقع، ويريد أن يجعله حدثا عابرا، أو مجرد صفقة بين استعمار "قاهر لا يغلب" وبين حركة أصبحت "عميلة" بمجرد دخلوها في المفاوضات حسب المنطق التبسيطي المؤامراتي السطحي للغاية.
إن الأفغان وحدهم من يحق لهم رفض طالبان أو الترحيب بقدومها، ووحدهم من يعرفون حق المعرفة، هل هي حركة مقاومة جادة في توحيد البلاد وتنظيمها، وتستطيع المضي بها نحو الأمن والتطور، أم أنها مجرد حركة "ماضوية" لا تعرف إلا الحرب ولا تتقن إلا حمل السلاح.
لا يعني هذا بتاتا أن نمنع شبابا أحبطته خيبات الهزائم المتتالية من الاستبشار بالحدث، ولا يعني أن نغفل عن مقومات نجاح المشروع الإسلامي وشروطه، وقدرته على الصمود والنجاح في ظل منتظم دولي رافض ومتواطئ ومشارك أحيانا كثيرة في إسقاط وإفشال وكبح العديد من التجارب "الإسلامية" على علاتها.
فهل الحدث الأفغاني الآن هو مؤشر على تغيُّر استراتيجي في السياسة الأمريكية الخارجية، أم هو مجرد أمر واقع تعاطت معه هذه السياسة بنفسية الواقعي المُتعب، والتي تقترب من التنازل و"الهروب المستور"؟
لا يمكن التعويل في نجاح المشاريع "الإسلامية" المعروضة في "سوق التداول" المسيّجة الضّيّقة، على تقلبات الرياح الدولية فقط، بل يجب الرهان على قوة العامل الذاتي، واعتبار تلك الرياح مجرد عوامل مساعدة، وفجوات تفتحها الأقدار ليمر منها البعض، ويقرأها البعض الآخر للاتعاظ وأخذ الدرس والعبرة.






