مكارم خلق الرسول ﷺ | حفظ الأمانة

رغب الإسلام في التحلّي بالأخلاق الكريمة الحسنة، ومن أعظمها خلق الأمانة، أعلى الله تعالى من شأنه، وأمر بحفظه، وذكره في عدّة مواضع في القرآن الكريم، حيث قال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (المؤمنون: 8)، فإن عم خلق الأمانة بين أفراد المجتمع وانتشرّ بينهم، فإنّ ذلك سيؤدي إلى تماسك المجتمع وسموه وقوّته، وعلى عكس ذلك، إن انتشرت الخيانة فإنّ ذلك يؤدي إلى هلاك وضياع المجتمع والأفراد.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: "ما خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له" [1]، يوصي صلى الله عليه وسلم في الشطر الأول من هذا الحديث بأداء الفريضة العظمى وهي الأمانة، وهي أداء الحقوق والمحافظة عليها، كما يحذر من الكينونة مع الخائنين المنافقين. وفي هذا الحديثِ يقولُ أنسُ بنُ مالِكٍ رضِيَ اللهُ عنه: "قلَّما خَطَبَنَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال: "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له"؛ أي: قَلَّ أنْ تَجِدَ خُطبةً من خُطَبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومَواعِظِه إلَّا ذَكَرَ فيها، قوْلُهُ: "لا إيمانَ"، أي: لا إيمانَ كامِلٌ "لِمَنْ لا أمانةَ له"، أي: لمن كانتْ في نفْسِهِ خِيانةٌ يَخونُ في مالِ أحدٍ أو نفْسِهِ أو أهْلِهِ، فمَنْ كان كذلك فإِيمانُهُ ناقِصٌ؛ لأنَّ الأمانةَ مِن أهَمِّ خِصالِ الإيمانِ، "ولا دِينَ"، أي: لا دِينَ كامِلٌ "لِمَنْ لا عَهْدَ له" أي" لِمَنْ يَخونُ العُهودَ ويَنْقُضُها دُونَ ناقِضٍ شَرْعيٍّ، فإنَّ اللهَ أَمَرَ بالوَفاءِ بالعُهودِ وأكَّد ذلك؛ فمَنْ نَقَضَ عهدَه، فهذا من قِلَّةِ دينِهِ وعَدَمِ كمالِهِ، وقيل: مَعْناهُ النَّهْيُ عن أنْ يَخونَ المُؤمِنُ أو يَنْقُضَ العُهودَ، ولا يفعَلُ ذلك وهو مُؤمِنٌ، وقيل: لا إيمانَ له إذا استحَلَّ ذلك ولم يَرَهُ مَعْصيةً، وقيل: يُنزَعُ الإيمانُ منه، فيكونُ فوقَه كالقُبَّةِ، فإذا فارَقَ الذَّنْبَ عاوَدَهُ إيمانُهُ.
وفي الحديثِ: بَيانُ أنَّ أثَرَ الدِّينِ ينبَغي أنْ يَظهَرَ في سُلوكِ الإنْسانِ بينَ النَّاسِ، فلا يُؤذِيَهم، ويَظهَرَ في أفعالِه الذَّاتيَّةِ؛ فيَجتنِبَ المحرَّماتِ ويَفعَلَ المأمورَ به [2].
فالأمانة من أخص الأخلاق التي تخلق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ نشأته، حتى لصقت به هذه الصفة قبل بعثته، فنعتته قريش بالصادق الأمين، اشتهر بذلك عند أهل مكة فحكّموه في خصوماتهم واستودعوه أماناتهم، فما حفظت له غدرة ولا عرفت له في أمانته زلة.
وها هي قريش لما بنيت الكعبة حتى بلغ البنيان موضع الركن - الحجر الأسود - اختصموا فيها حتى أعدوا للقتال، فمكثوا على ذلك أربع أو خمس ليالٍ، ثم تشاوروا في الأمر فقالوا أن أول من يدخل الباب هو الذي يقضي بين القبائل في هذا الأمر، فكان أن دخل عليهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفرح القوم لذلك واستبشروا، وقالوا هذا الأمين، هذا محمد رضينا، فقال لهم إيتوني بثوب فوضع فيه الحجر الأسود وطلب من كل قبيلة أن تمسك بطرف من أطراف الثوب فحملوه فوضعوه جميعا في مكانه، وهكذا بحكمته صلى الله عليه وسلم خلصهم من بلاء خلاف كان سيتحول إلى حرب.
أما الموقف الثاني الذي يبرز مكانة هذا الخلق عند الناس، هو زواجه صلى الله عليه وسلم بأمنا خديجة رضي الله عنها، حيث إن أمانته كانت السبب المباشر في هذا الزواج المبارك، لما ذهب إلى الشام متاجرا بمالها وكان معه خادمها ميسرة، ولما سمعت ما حصل مع تجارتها بصدقه وأمانته فرحت فرحا شديدا وطلبت أن تتزوج به وتم الأمر بتوفيق الله عز وجل.
والموقف الثالث هو ما حدث في الهجرة النبوية، حيث كان صلى الله عليه وسلم حريصا على أداء الأمانة حتى في أصعب المواقف، فقد هاجر صلوات الله عليه سرا وليلا ورغم ذلك لم يخرج في سفره حتى أرجع جميع الأمانات التي أودعت عنده، وكلف سيدنا عليا بن أبي طالب بردها، كيف لا وهو المستأمن على الوحي من فوق سبع سماوات، حيث قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: 3)، وهذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غير الإسلام، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم المرسلين وبعثه إلى الثقلين، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما جاء به، فالسلام هو الناسخ لما قبله، فكان صلى الله عليه وسلم خير من أدى الأمانة وخير من بلغ الرسالة، وخير من جاهد في الله حتى أتاه اليقين..
الأمانة هي أداء الحقوق، جاء في تهذيب الأخلاق للجاحظ (ص 24): "الأمانة هي التَّعفُّف عمَّا يتصرَّف الإنسان فيه مِن مال وغيره، وما يوثق به عليه مِن الأعراض والحرم مع القدرة عليه، وردُّ ما يستودع إلى مودعه". وقال الكفوي في كتابه الكليات (ص 269): "كل ما افترض على العباد فهو أمانة كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار.
فالحقوق إذا تنقسم إلى ثلاثة؛ حقوق الله تعالى وحقوق خلق الله وحقوق النفس. ويكون أداء حق الله تعالى أولا بالحفاظ على الفطرة، فطرة التوحيد، فلا معبود بحق إلا الله ولا معطي إلا الله ولا رزاق إلا الله، ويجدر بنا أن نتوكل على الله، فهو سبحانه النافع وهو بيده الخير وهو على كل شيء قدير. وحق الله أيضا يتم أداؤه بالعبادة حق العبادة على قدر المستطاع من صلاة وصيام وزكاة وغيرها، وعباداتنا أمانات يجب أداؤها بإخلاص..
أما حقوق الخلق فتكمن في الحفاظ على أعراض المسلمين وأداء الودائع، وحفظ أمانات المجالس وهي أمانات الناس أيضا، ومن حقوق الخلق حق الرعية والرعاية، عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، الإمامُ راعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ راعٍ في أهْلِهِ وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ في بَيْتِ زَوْجِها ومَسْئُولَةٌ عن رَعِيَّتِها، والخادِمُ راعٍ في مالِ سَيِّدِهِ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ قالَ: - وحَسِبْتُ أنْ قدْ قالَ - والرَّجُلُ راعٍ في مالِ أبِيهِ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّكُمْ راعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ" [3].
أما الحق الثالث فهو حق النفس التي لا ينبغي أن نظلمها ونحرمها من طلب وجه الله تعالى وذكره والقرب منه ومناجاته وطلب رضاه سبحانه.. وجدير بالإشارة هنا أن الحواس وحياتنا أمانات عندنا، وصحتنا هي الأخرى أمانة يجب الحرص على تسخيرها في طاعة الله عز وجل ونفع خلقه بها ابتغاء وجهه الكريم، حيث يقول عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (النساء: 58)، عن سمرة الحسن أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" [4].
وفيما يلي مفاتيح عملية للتخلق بهذا الخلق الرفيع:
1- استشعار أهمية أداء الأمانة وحفظها، فمن أراد الفلاح ونيل محبة الخالق عز وجل عليه أن يتسلح بهذا الخلق وباقي الأخلاق النبوية الشريفة.
2- الحرص على أداء الأمانة حرصا شديدا، لأنها من أعظم الفرائض، مع استحضار مراقبة الله تعالى فلا نجعله أهون الناظرين إلينا، مع دراسة سيرة رسولنا الكريم وسير الأنبياء والصالحين.
3- تذكر عاقبة الخيانة، وأنها دليل على النفاق، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: "آيةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعَدَ أخلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خان" [5].
هذا، والصحبة مفتاح لكل خير، فصحبة الأخيار الأمناء ومجالستهم والاقتداء بهم يورث المحافظة على الأمانة.
[1] أخرجه أحمد (12567)، والبزار (7196)، وأبو يعلى (2863)، إسناده صحيح.
[2] الموسوعة الحديثية، موقع الدرر السنية.
[3] أخرجه البخاري في صحيحه (893)، ومسلم في صحيحه (1829).
[4] رواه الإمام أحمد، وأهل السنن.
[5] ابن العربي، عارضة الأحوذي، ص: 5/308 | حديث صحيح.









