كيف نرتقي؟ (3)

محتويات المقال
قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (سورة النحل، الآية 97).
تبشرنا الآية الكريمة بالحياة الطيبة الهنيئة لمن سعى وعمل عملا صالحا في الدنيا من ذكر وأنثى، فالجزاء في الدنيا حياة طيبة وفي الآخرة أجر وسعادة أبدية.
إن الحياة الطيبة تفوز بها المسلمة المجاهدة بعد بذل الجهد واقتحام العقبة وشق الطريق بصبر وطول نفس، وانتظار النتائج بعد بلوغ الوسع في العطاء والتضحية وبذل النفيس من أجل بلوغ أعلى المراتب في الدنيا والآخرة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
التخطيط للمستقبل
إن من واجب كل مسلمة تود أن تسير على خطى ثابتة وواثقة من نتائجها أن تعمل على سنة الله. "ومن شروط الله وسنته المكملة لمعاني حكمته تعالى في الكون وابتلائه للعباد بالسراء والضراء أن يتعاقب النصر والهزيمة ليربي الله الذين آمنوا ويمحصهم ويمحق الكافرين آخر المطاف" (1).
و"يصطفي الله من يشاء من إمائه لتسليح أبراج الإسلام وتمكينها ومداومة الجهد والجهاد" (2).
إن المرأة المؤتمنة تشارك مع جند الله لإنجاح المشروع الإسلامي بعد أن توثق توبتها وبيعتها لربها، فهي تطلب وجه الله وتشتري وتبيع مع الله لا مع الخلق، والبضاعة غالية وثمنها الفوز بالجنة؛ "ألا إن سلعة الله غالية".
و مستقبل الأمة، مستقبل خلافة على منهاج النبوة، تصنعه المومنة من موقعها الاستراتيجي .
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (سورة الأنفال، الآية 61).
القوة إذن إعداد واجتهاد وجهد للغرس والتعهد.
ويقوي الله المؤمنة وينصرها لتصنع مستقبل أمتها بثقة، غير متسرعة في معالجة واقع الأمة وحاضرها ولا متراخية ومؤجلة لعملها، فالزحف يكون بتخطيط وإعداد لاقتحام العقبات بعلم، وبالتدرج الحكيم في التربية والتعليم سيرا مع سنة الله في الكون.
ولئن كان من سمات هذا الزمن المتسارع التنافس العلمي والتكنولوجي والإعلامي، فإن المومنة مطالبة بالمتح من هذه العلوم وتسخيرها لخدمة أهدافها في الدعوة إلى الله تعالى وإظهار دينه، وإعداد العدة لبناء مجتمعها وأمتها، معتزة بحضارتها وثقافتها ولغتها، حتى تغزو المستقبل بثقة وبحضور منتج فعال ومؤثر، لا بذهنية مستهلكة وغثائية، تنجرف بها هذه العلوم لترميها في عالم غريب عنها، وتجردها من كل مبادئها فترتمي في أحضان الهوى والتقليد الأعمى والانسلاخ عن الهوية والبعد عن الدين والعياذ بالله.
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
كوني حكيمة
قال تعالى في كتابه الحكيم: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (سورة النحل، الآية 125).
إن على المسلمة المجاهدة أن تتحلى بالصبر والإيمان مع العمل الدؤوب لإبطال الباطل الجاثم على صدر الأمة "وإن الأقوياء الأمناء الموعودين بالخلافة الثانية لفي أمس الحاجة إلى تؤدة الصبر والأناة وكظم الغيظ لإحقاق الحق وبناء الأمة بقدر ما هم بحاجة إلى القوة العازمة المنضبطة لإبطال الباطل" (3).
كل هذا يجمّله حسن الظن بالله وبعباده حتى يسهل على المومنة العمل دون كثرة ريب وشك قاتل للعلاقات الأخوية وهادم للأواصر والقرابات، فالمومنة يجب أن تتعلم وتعلم في وسط يسوده التوقير والاحترام والثقة المتبادلة لتتمكن من العطاء الفعال، لأنها تحمل رسالة ربانية يجب أن تبلغها دون عنف، وتفتح باب النقاش والتواصل، وتدعو إلى النقد البناء.
إنها بذلك تكون الأم الحنون، والمعلمة الحكيمة، والأخت الفطنة، والمربية الواعية، والأذن الصاغية .وقد وصى رسولنا الكريم بذلك؛ قال صلى الله عليه وسلم (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) (4).
همة وإرادة
قال الإمام الرفاعي: "ليست الهمة أن يقف الرجل عند حجابه، بل الهمة أن يفتق شراع الحجاب، ويتدلى إلى الرحاب. صوارم الهمم تفعل ما لا يمر بالأوهام. حجب الغيوب لا تشق إلا بسهام القلوب" (5).
إن المومنة المجاهدة تقتحم العقبات بإرادة متجددة وهمة عالية طالبة بذلك وجه الله تعالى، وهو القائل في كتابه العزيز: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (سورة الشورى، الآية 20).
يجب أن يقترن عمل المومنة الجهادي والعمل الدنيوي بالتربية القرآنية والسنة النبوية.
وإرادة المومنة ترتقي بها في مدارج الإحسان وتوقظ همتها نحو عطاء المنان طالبة بذلك الحسنى وزيادة. فعلى قدر همتها تعطى، وعلى قدر إرادتها تبلغ المنازل، وكلما بلغت منزلة تاقت نفسها لما هو أرفع منها، إلى أن تبلغ منزلة الشوق إلى الجنة وإلى رب الجنة والنار.
"فلله همة قطعت جميع الأكوان، وسارت فما ألقت عصى السير إلا بين يدي الرحمان، تبارك وتعالى، فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه" (6).
خاتمة
يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله "يا من أراد السلوك! استدلَّ بمن قد سلك، وعرف المواضِعَ المَخوفَةَ منها، وهم المشايخ العمّال بالعلم، المخلصون في أعمالهم. يا غلام! كن غلام الدليل! اتبعه! اترك رَحْلَك بين يديه وسر معه، تارة عن يمينه، وتارة عن شماله، وتارة وراءه، وتارة أمامه. لا تخرج عن رأيه، ولا تخالف قوله. فإنك تصل إلى مقصودك ولا تضِل عن جادتك" (7).
إن أردت الفلاح ولأمتك الصلاح، فلتصحبي في رحلتك الأخيار؛ لهم خصال لا تكتسب بالعلم والمعرفة بل بالصحبة والمحبة والوفاء، فهم أهل الله وخاصته، صحبتهم شفاء، ومحبتهم ود وصفاء، ومجالستهم تربية. ولتتجنبي صحبة الأشرار، ولتتزودي بخير زاد فالرحلة طويلة والعمر قصير، وما بلغته اليوم بفضل الله ومنته عليك هو زاد لك في الآخرة، وبذلك فلتفرحي.
والحمد لله رب العالمين.
(1) عبد السلام ياسين، سنة الله، ص 7.
(2) عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، الجزء الثاني، ص 239.
(3) عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 2، ص 314.
(4) أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.
(5) البرهان المؤيد، ص 48.
(6) ابن القيم، مدارج السالكين، ج 3، ص 147.
(7) الفتح الرباني، ص 298.







