كورونا تفضح فيروسات أشد منها خطورة

لم نعد اليوم نواجه فيروس كورونا وحسب بل أصبحنا نواجه فيروسات كالطحالب، تطفو على السطح كلما سنحت لها الفرصة.
في البداية ظننت الأمر عاديا، مجرد تعبير فطري عن الرأي، لكن سرعان ما تأكد للقاصي والداني أن الأمر مقصود وموجه وقد يكون مخططا له.
فأما الفيروس الأول؛ فهو فئة تريد أن تلصق في الضمير الجماعي للمجتمع المغربي أننا جهلة وغوغائيون ومفتقرون للوعي، وذلك استنادا على سلوكيات شاذة أبانت عنها فئة محدودة من الناس، كالسير في مسيرات محدودة أو الزحام في المحطات الطرقية وازدحام الناس حول أعوان السلطة بحثا عن ترخيص إداري لم يتوصلوا به بعد. ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الشعب المغربي أبان عن وعي غير مسبوق في محطات كثيرة، فقد كان سباقا للدعوة للحجر المنزلي من خلال حملات فيسبوكية تجمع على شيء واحد وهو "خليك في دارك"، بل واستجاب له غالبية الناس بمجرد إقراره، وشرع بالتحسيس بأهمية الوقاية وكيفيتها، وأخذ المبادرة أفرادا ومجتمعا مدنيا، قبل حتى أن تصدر قرارات السلطة بذلك، وفي غياب تام للأحزاب والخطباء والمثقفين، وهذا ما شهد به العالم، باستثناء الفيروسات الموجهة التي تريد أن ترسخ في أذهاننا أننا شعب جاهل و"مكلخ"، وتبرمجنا على ذلك لأهداف نعلمها ولغاية في نفس يعقوب.
وأسرف كثيرون في جلد هذه الفئات المخطئة والمخالفة للقانون لا شك، دون أن تسأل ما الذي أوصلها لهذه الحالة، وهل نالت حظها من الوعي والتعليم والتأطير، وما الذي قدمت لها الأحزاب السياسية التي يعتبر تأطير المواطنين أحد وظائفها الأساسية، ما الذي قدمه المثقفون والمفكرون والعلماء لهؤلاء الناس، وهل وسائل التنشئة الاجتماعية في بلادنا من أسرة ومدرسة وإعلام تقوم بدورها كما يجب، وهل قامت السلطات بواجبها في القيام بتدابير مجتمعية فعالة موازاة مع الدعوة للحجر الصحي (طريقة تدبير التراخيص الإدارية مثلا). أرجوكم لا تجلدوا الضحية، بل سائلوا الجلاد، فإنما هو حصاد ما جنت الأيدي خلال زمن طويل.
وأما الفيروس الثاني؛ فيتغذى على زرع النعرات والفتن بين مكونات المجتمع الواحد، ضاربا عرض الحائط ما يجب أن نكون عليه من تعاضد وما تتطلبه الظرفية من نكران ذات. مستغلا أحداث التكبير والتهليل التي عبر عنها سكان بعض المدن إيمانا وتضرعا وتوجها إلى الله ليرفع عنا الوباء، وما صاحبها في اليوم الأول من منزلقات، فأثاروا النعرات بين المغاربة وأيقظوا العصبية في ضعاف النفوس ترسيخا لسياسة فرق تسود. واقع الخاسر الأكبر فيه هو المواطن المغربي المسلم بغض النظر عن أصله أو مسقط رأسه؛ فالفضل كل الفضل لمن اتقى وأحسن في عمله وانضبط في أخلاقه وكان نافعا للمجتمع.
وأما الفيروس الثالث؛ فيمثله ذاك الحاقد على الدين، والحريص على ضرب الإسلام كلما سنحت له الفرصة، إما بدعوى العقلانية والعلمانية، وإما لأسباب أخرى، حيث وجدها فرصة سانحة لنشر كم هائل من المنشورات ذات طبيعة دينية والترويج لها، وهي أبعد ما تكون عن الدين، هدفها إظهار أن الإسلام دين الخرافيين الجاهلين البعيدين كل البعد عن العلم والحضارة، مستغلين الظرفية لإقبار كل المبادرات الفطرية واتهام الإسلاميين بالسلبية واعتبار الدعاء والتكبير وكل مظاهر اللجوء إلى الله خرافة لا تفيد وأن الفائدة الوحيدة تكمن في البحث العلمي، يريدون أن يظهروا الدين وكأنه نقيض العلم، متغافلين أن الإسلام أكثر الأديان تحفيزا على العلم، وكأنهم معتكفون في مختبراتهم لصنع المصل والعقاقير.
هذه عينة من الفيروسات، وغيرها كثير.. وهم أخطر علينا من وباء كورونا، فرغم خطورة هذا الأخير وسرعة انتشاره يبقى فيروسا عابرا نستطيع تجاوزه إن التزمنا بيوتنا وطبقنا تعليمات خبراء الصحة حتى يذهبه الله، لكن هذه الفيروسات التي لم ترق لمستوى اللحظة التاريخية يتطلب التخلص منها سنينا وأعواما.







