كان صوتي سيصنع التغيير لولا...

ربما كان صوتي سيصنع التغيير لو لم تكن عقود من التجارب الانتخابية قد راكمت لدي من الأسئلة والخيبات أكثر مما راكمت من الثقة.
كان سيصنعه لو كان القرار السياسي الفعلي بيد المواطن، وكانت المؤسسات التي يمنحها صوته شرعيتها الانتخابية تملك من الصلاحيات ما يجعلها قادرة فعلا على الحكم وصناعة القرار، لا أن تظل قدرتها محدودة أمام مراكز قرار لا يصل إليها صوت الناخب ولا تطالها محاسبته.
وكان سيصنع التغيير لو كانت الممارسة السياسية تكفل حرية حقيقية في الاختيار والتعبير والمعارضة، ويظل فيها صوت المخالف مصونا، ولا يصبح الاختلاف السياسي سببا للتضييق أو المنع أو المتابعة.
لكن أزمة الثقة عندي لا تتوقف هنا؛ فما تابعناه على امتداد سنوات من حديث متكرر عن استمالة الناخبين وشبهات شراء الأصوات واستغلال النفوذ لا يمكن اعتباره مجرد تفاصيل عابرة في مواسم الانتخابات. كما أن ما يثار حول تحول بعض المواقع، التي يفترض أن تكون تكليفا لخدمة الناس، إلى أبواب للمصلحة والوجاهة، يجعل السؤال مشروعا: من يمثل المنتخب حينها؟ المواطنين الذين منحوه أصواتهم أم مصالح أخرى؟
ولطالما انتظرنا ممن تعاقبوا على المسؤولية أن تتجه الأولويات إلى ما لا تقوم لبلد قائمة بدونه: التعليم والصحة والعيش الكريم.
لا أستطيع أن أقتنع بأن تقدم بلد ما يقاس فقط بصيته الرياضي، أو ببريق واجهاته ومنشآته ومواسمه الكبرى، بينما يعاني المواطن من أجل مدرسة عمومية جيدة لأبنائه، أو علاج يحفظ كرامته، أو عمل يوفر له حياة كريمة.
ليست المشكلة في الرياضة، ولا في أن تكون مدننا جميلة ومنظمة وطرقها واسعة ومهيأة؛ فذلك كله مطلوب، وهو مظهر من مظاهر التقدم. لكن الإنسان أولى، وحقوقه الأساسية أسبق؛ لأنها ما يمنح هذا التقدم معناه ومصداقيته. فالتعليم الجيد، والصحة، والعمل الذي يصون الكرامة، والسكن اللائق، والحد الأدنى من العيش الكريم، ليست امتيازات يمن بها مسؤول أو مؤسسات على المواطن؛ إنها حقوق وواجبات.
ثم يأتي سؤال المحاسبة: يقدم المنتخب برنامجا، ويطلب أصوات الناس وثقتهم على أساس وعود محددة، ثم تمر سنوات الولاية ولا يتحقق منها إلا القليل، بالمقابل يمر الكثير مما يثقل كاهل المواطن والوطن. فمن يسائله عما وعد به ولم ينجزه؟ ومن يحاسبه على تدبيره؟ وكيف تستعاد الثقة وبعض الوجوه تعود في موسم انتخابي جديد بخطابات ووعود جديدة، وكأن الذاكرة تبدأ من الصفر مع كل استحقاق؟
والمسألة أوسع من أسماء تتغير، أو أحزاب تتعاقب؛ إنها أسئلة تراكمت سنوات طويلة من مراقبة المشهد، حتى صار كل موسم انتخابي يعيد إلى ذاكرتي مشاهد أقدم بكثير...
أتذكر وأنا طفلة، حين كان يحل موسم الانتخابات؛ فتتجند مكاتب الإدارات والمدارس، وتمتلئ الجدران والأزقة بالأوراق الملونة ذات الرسومات والرموز الشعبية، ويحملها أناس يجوبون الشوارع والأحياء لحشد الأصوات، تاركين وراءهم أكواما من الأوراق المبعثرة.
وكان "المقدم" يقوم بدور لم أفهمه حينها.. كان يطرق أبواب الجيران، ويأتي إلى بيتنا يدعو والدي ووالدتي، رحمهما الله، إلى ضرورة الذهاب للتصويت، بل كنت أفهم من نبرته وحركاته شيئا من الإلزام، إذ كان يختلط في طلبه شيء من التخويف بسلطة "المخزن".
لم يكن والداي يجيدان القراءة والكتابة، ولكن، كما نقول بالدارجة: "كانوا على بال، وقراهم الزمان وفعايل ناسو". وكانت أوراق التصويت آنذاك تعتمد الألوان والرموز لتيسير الاختيار على غير المتمدرسين. ومن خلال حديث والديّ، كنت أفهم أن الأمر لم يكن يقف عند دعوتهما إلى التصويت، بل كان يصل إلى إملاء ما يفعلانه وعلى من يصوتان.
ورغم بساطتهما وحسن نيتهما، لم يكونا يرضيان أن يمنحا صوتيهما لمن لا يعرفان، وكانا يدركان بفطرتهما وإيمانهما وما علمتهما الحياة أن للصوت مسؤولية.
وأذكر أنني كنت أسأل أمي بعد عودتها: "ماما على من صوتِ؟".
فتبتسم، رحمها الله، ابتسامة المنتصر، أو كمن أفلت للتو من يد المقدم، وتقول لي: "لحت الظرف خاوي آ بنتي، وكل شاة تتعلق من كراعها. أنا ما كنعرف فيهم حتى واحد باش نتقلد بيه غدا أمام الله).
كبرت، وبقيت تلك الابتسامة والعبارة عالقتين في ذاكرتي. لم تكن أمي تعرف لغة السياسة ولا مصطلحاتها، ولم تكن تحتاج إليها لتفهم أن صوتها يخصها، وأنها لا تريد أن تتحمل مسؤولية منحه لمن لا تعرفه أو تثق فيه لمجرد أن أحدا طلب منها ذلك.
ولعل شيئا من ذلك بقي معي إلى اليوم؛ فالصوت عندي أمانة ومسؤولية أمام الله، وليس مجرد ورقة أضعها في صندوق وتنتهي مسؤوليتي عنده. ولست مستعدة لأن أسأل غدا: لمن منحت صوتي؟ ولماذا؟ وفيم أسهم؟ وأنا لا أطمئن إلى ما سيؤول إليه اختياري، ولا أرى، في ظل هذه الشروط، أن صوت المواطن يصل فعلا إلى موضع القرار الذي قيل له إنه يشارك في صناعته.
لهذا، كلما سمعت العبارة التي تتكرر مع كل موسم انتخابي: «صوتك يصنع التغيير»، أتذكر أمي وظرفها الفارغ، وأفكر أن السؤال بالنسبة إلي لم يكن يوما عن قيمة الصوت في ذاته، بل عما يستطيع هذا الصوت أن يغيره فعلا، وعن الطريق الذي يسلكه بعد أن يغادر يد صاحبه.
وربما لهذا، بعد كل هذه السنوات، ما زلت ما مصوتاش...




