قلم يحتفل بعيد المرأة

جفل القلم وطاشت الكلمات وتبعثرت الحروف، آلمتني أناملي من شدة الضغط، لكنه رفض الإفصاح أو البوح، احترت في أمره، وحاولت جاهدة أن أهديه إلى رشده، لكنه ظل مصرا على رأيه.
- لِمَ تأبى يا قلمي أن تسعفني؟ وتصر أن تخجلني؟ أم يا تراك تريد أن تفارقني؟ تململ وتحرك لكن مداده الأحمر ساح في الورقة وانتثر..، ترجل القلم وانتفض، وعادت الكلمات تتركب كما هو شاء:
- أنت تأبين الاحتفاء، وأنا مللت من سرد أحداث تتكسر فيها الضلوع، وتتناثر الأشلاء وتنهال الهراوات على النساء وتحرق الأكباد على الأبناء، بل سئمت الحديث عن ظلمكن وسحقكن ودهسكن وما شئت من كلمات قاموس القهر والظلم الذي يأبى إلا أن يكرمكن بطريقته التي لا يعرف غيرها، أنا أخاف على حروفي من الاكتئاب، وعلى كلماتي أن تسجن في زنزانة البكاء والندب، أنا أخاف أن تغتال فرحتي ويقتل أملي، فزمانكن سافرت بسمته بغير رجعة وحتى احتفاؤكن تخيم عليه ظلال موجعة.
أبحث عن الفرح لانطلق، وعن الضوء البعيد الذي في الأفق ها هو يحلق، أما ترين معي نجوم الغد تتلألأ؟ وقمرنا المنير يبعث في سمائكن السوداء ضياء؟ جمال وحب وسعادة أغمضتن عيونكن فلا ترين إلا الليل البهيم الذي ضاق صدري به، فما عدت أتحمل.
-هكذا إذن، هو إعلان للعصيان والتمرد على من تهبك الحرية، وبأناملها تخرجك من زنزانتك الأبدية. ها أنت قد تعلمت من نضالهن ضد الاستبداد ورفض التحكم في أرواح وأرزاق العباد، تعلمت أن ترفض العبودية والاسترقاق، وتطلعت أن تكون لك إرادة أبية ترفض أن تتحكم في مدادك أنامل تحسبها عابثة بمشاعرك ومتحكمة في قواميسك الأزلية.
-أفلا تكون ممتنا لمدرسة المرأة التي علمتك معنى الحياة في ظل الكرامة والحرية، وجعلتك تتلمس حروفا تسطر معنى العزة وتجتمع لتكون كلمات هي حقيقة الحياة التي نحلم بها، حياة الكرامة والعدالة الاجتماعية. فأنت من نقلتَ إلى المنابر الإعلامية معاناة نساء حدود سبتة المحتلة اليومية من شر المهانة من أجل لقمة مرة زهقت من أجلها أرواح نسوة اختنقن من الضغط وداست الأقدام على كرامتهن، وفي مثل هذا المشهد المرعب تكدست جثث نساء فوق بعضها كأكياس الدقيق التي كانت تأمل في جلبها إلى البيت، مشهد ممعن في الإذلال، كان بالإمكان تفاديه لو تستر المتصدق على كاميرات الإشهار التي نقلتْ فيما بعد منظرا يختصر معاني الاحتقار لإنسانية الإنسان، في مغرب حقوق الإنسان.
-أيها القلم هلا تكرمت وغيرت الأحمر بلون آخر، يعبر عن المناسبة وبهذا أكون قد حققت لك الرغبة.
- هل أنت صادقة هل سنحتفي بالمرأة، ونهنئ الأم و الجدة والأخت والطالبة والمعلمة والأستاذة والتلميذة المجدة والفلاحة المكدة والعاملة المجهدة والنقابية والجمعوية والمناضلة الحقوقية ومن لها رسالة خير للأمة الإسلامية وحتى للإنسانية و ..؟
-على مهلك يا قلم، طبعا فلكل النساء منا التهاني والتبريكات وأسمى عبارات التقدير والاحترام، وحتى للأقلام التي تأبى السكوت عن الظلم أو التطبيع مع مفسدي الإعلام، حتى وإن كان المصير تهميش او إقصاء أو حتى مصادرة للحق في المنابر أو العرض والإلقاء.
- سأختار بهذه المناسبة اللون الوردي، أو الأخضر، سأنثر عطرا، سأنشد شعرا، بل سأتغزل، لا بل أقدام الأمهات سأقبل،
وللعاملات سأغني لحن الأمل، وعلى ربات البيوت سأوزع الورد والقرنفل، كلماتي سأحررها من قبضة البؤس والذل، وأطلقها سجعا يشرح صدري ويفك أسري من هذا المعتقل، فاستدعي من بنات أفكارك ما ينعش وما يحيي، فكلِّي الآن حيوية لأحتفل مع النساء كل النساء في يومهن العالمي لأجدد معاني الإيمان بالقضية.
- الإيمان بالقضية ها قد عدت إلى خطك الأصيل في الكتابة، فلك رسالة وقضية، لقد انفلتت كلماتك من عقالها، فتحررت من عنادك، لأن الاحتفال لا يتعارض مع عرض تاريخ بطولات نساء رفضن الخنوع في زمن سكت الرجال من الخوف بل اعتادوا الركوع.
-أيمكننا أن نحتفل دون أن ندون للمناضلات من آمنّ بالقضية ودافعن عن حقوق المظلومين وتعففن عن المناصب والكراسي الخشبية التي تُرسِّخ في أصحابها حُبَّها فينسون المهمات والقضية ويتلهون بالمفاخر والأثاث، ويتضخم فيهم الأنا، فلم يعد يهمم الوطن فهم عبيد الذات؟ أيمكننا في هذه المناسبة أن نغض الطرف عن نساء جرادة الحرات الأبيات، من تعلمن من سواد الفحم، كيف يواجهن الظلم، ويخطبن في الجموع الغفيرة بكلمات فصيحة فاضحة، تكشف عورة حاول أن يسترها عن الأنظار غطاء التهميش، فجاء الموت في الآبار ليكشف حجم المعاناة والكبد في شرق العزة والإباء؟ هو احتفاء في أجل معانيه وأرقى مضامينه احتفال بالمرأة المناضلة الصامدة في زمن الاغتصاب بكل أنواعه والجور بكل تجلياته والقمع بكل ضروبه، هو احتفال بكل امرأة وقفت على ثغر من الثغور ورفضت أن تسلم أو تستسلم للانهزام الملعون. وهل تتصور أن نحتفل دون أن نهنئ المرأة الفلسطينية، وننحني تقديرا لنساء شهيدات وأخريات معتقلات؟ فتحية عالية للمرأة الفلسطينية المرابطة هناك نيابة عنا، تحية لزينب وعهد وإسراء، تحية لمن صمدن هناك فتيات وطفلات ونساء. وهل يمكن أن نحتفل في غفلة عن نساء سوريا من بذلن أرواحهن ضريبة للنهوض ضد الفساد ونساء مصر من استشهدن واعتقلن في سجون الاستبداد؟
- قدرنا يا قلمي أن نحتفل في عالم يمور بالفتن، يقبض فيه الفساد بمقود القيادة، إلى أن يكون للحق الريادة فيبزغ يا قلمي يومك الذي تنتظر، حينها ستكتب بماء من ذهب كلمات النصر الذي ستشرق لها شمسك وتكون الفرحة سيدة ميدانك، ونحصد حينها نتاج نضال المرأة الدامي الذي ترفض أن تؤرخ له الان في يوم هو للاحتفال.
- لكن بما أنني حر وذقت طعم الحرية، فسأقدم بقلمي الوردي ألف تحية لكل امرأة تدافع عن قضية، وتبذل في ميدانها كل جهد، أرسم بقلمي، ورود الحب والاحترام والتقدير لنساء الأمة والعالم في عيدهن الأممي.




