قبسات من مذكرات عاشق وطنه

15 تشرين الأول/أكتوبر ..19
الحرب ما زالت مشتعلة، ولا أعرف إن كان في المستطاع عيش مزيد من السنين في هذه الدوامة... الحرب نالت منا الكثير؛ لم نذق طعم رمضان، ولا طعم ليالي العيد.. فأنوفنا أزكمت برائحه الدمار والقنابل..
أيامنا تمر تترى، ولا ندري ماذا يحمل لنا المستقبل؟..!
اليوم أنجبت "أم أيمن" طفلها الخامس، قررت أن تسميه "أمل"، انزعج الجميع، نساء ورجالا لهذه التسمية، بينما ترجم الصغار فرحهم العظيم بهذا الاسم الجميل والرائع.. إنهم يرون في هذا الاسم عبق التفاؤل، ودارت حياة جديدة في حياة "أمل".
الطفل الذي ولد مع الحرب، وسيعيش ما قدر له من أيام تحت سقف المدافع والرشاشات.
15 كانون الأول/دجنبر ..19
المغترب عن أرض الوطن صحبة أسرته الصغيرة أنجب هذا الأسبوع "طفلة".. يقولون إنها حلوة كقطعة سكر.. ناعمة كقطرة ندى.. أسموها "أشواق".
يا إلهي.. لم يجدوا سوى هذا الاسم.. أشواق إلى الوطن.. أشواق إلى الأرض الحبيبة، إلى الأرض الأم.. يبثونها أشواقهم.. أمانيهم وأحلامهم.
أما أنا فالكل ينتظرون زواجي أنا أيضا، ما زالت الأم تلح علي بكلامها الفياض بالأمومة بين الحين والأخر أن تزوج..
أنتظر انتهاء الحرب.. سأتزوج وأنجب عندما تنتهي!!
متى تنتهي؟؟ لا أدري.
شراراتها ما زالت أكثر تدفقا ولهبا.
8 آذار/مارس ..19
إنها ما زالت تتابعني.. تلاحقني أينما ذهبت وارتحلت، حتى إنني غيرت أوقات عملي كي أنجو من مطارداتها.
أخاف منها؟..! لا، لن أخاف من هذه الحقيرة..
لكني أرى في وجهها صورة العدو.. صوره الغاصب..
أرى فيها كل أحلامي التي تحطمت، وآمالي التي تلاشت.
وجهها جميل رائع، شعر أشقر ناعم، وعينان زرقاوان، وملامح طفولية هادئة، لا تنمّ عن حقد أو عداء. لكني أكرهها من كل قلبي.. أكرهها.
"ليئا" أفعى في ثوب هر.
15 نيسان/أبريل ..19
اليوم ركضت ركضا عنيفا، لم أكن فارا.. لكن لحظات كثيرة نحافظ فيها على أرواحنا بكل ما أوتينا من قوة.
اختبأت في إحدى الكنائس للحظات حتى تهدأ المظاهرة..
اقتربت مني.. وتكلمت بصوت ملائكي، امرأة في الأربعينيات، اختارت حياة الرهبانية في هذا الدير المرتفع..
حدقت في وجهها كثيرا.. أقرأ ملامحها.. أقارن بينها وبين "ليئا"..
أفقت من ذهولي عندما ناولتني كأس ماء.
فرق كبير بين كلا الوجهين..
لا أريد أن أكون متعصبا.. لكن "مريم" أجملهن وأحلاهن.
بالرغم من صغر سنها، أرى في وجهها الماضي والحاضر وأيضا المستقبل.
8 أيار/ماي ..19
كل منا يرى في هذه الأرض الحبيبة مأواه وملاذه..
لكنا الأكثر استحقاقا لها؛ أولى القبلتين، مسرى الرسول "طه" صلى الله عليه وسلم، مربض صلاح الدين، ومولد الأنبياء.
لكن راهبة الدير المجاور لبيتنا، تحكي كثيرا عن "بيت لحم"، عن ميلاد النبي "عيسى".. عن مريم العذراء.
"ليئا" تبكي كل سبت عند حائط المبكى.. وتذرف صلواتها اللامفهومة لداود.
"ليئا" تريد أن تتزوجني، ونعيش جميعا في سلام ووئام، لا يجمعنا حقد ولا دمار.. سلم فقط..
لكني أخاف.. أخاف غدرها.. ملّتها عرفت بنقض العهود..
كما أنني لا أنسى، ولن أنسى الماضي الدفين..
سأرى "أمل" المولود تحت سقف المدافع.. سأشاهد صور "أشواق" المنفية معية أسرتها..
سأرى "مريم" الجارة الصغيرة، الصبية الشابة المقعدة، رهينة كرسي المشلولين، سأرى حلوتي، فأتذكر الشظية التي أعجزتها عن الحركة..
قد نتسامح، لكننا لا ننسى.
- وما زال للحكي بقية –




