صناعة الفشل

ونحن نستعيد بذاكرتنا وقائع الحراك الذي تأجج في 2011, وارتج له شارع احتقن, وعلا صوته بمطالب تعتبر خارطة لكل من توفرت لديه الإرادة الحقيقية لصياغة مشاريع تنموية من شأنها أن تنتشل المغرب من حالة الفوضى السياسية, والتسيب الاقتصادي, وانفجار الغضب الشعبي الذي, وإن خمد إلى حين, فهو ينبئ بمآلات تهدد السلم الاجتماعي, وقد تجر البلد, لا سمح الله, إلى ما لا تحمد عقباه. فمطلب العدالة الاجتماعية, وفصل السلطة عن الثروة, كانا واضحين يحملان رسائل بليغة إلى من يهمه الأمر, مفادها أن الشعب المنكوب أعياه الحرمان, ولم يعد له صبر على طغيان من أثقلوا كاهله بالغلاء, وزيادة الضرائب, وباعوا مستقبله بمديونية ترهن مصيره لأجيال وأجيال, وفي الآن ذاته منعوه من مصادر العيش الكريم, وأوصدوا في وجهه أبواب الكسب ليدفعوا به قسرا إلى الصياح, لكن أبلغ الرسائل, لخصها مطلب الحق في ثروة احتكر مصادرها من يمارسون السلطة, يتنعمون بنعيمها, ويغدقون من فضولها على دوائر يتحصنون بها بواسطة الريع الذي يجعل مصيرها مرتبط بمصائرهم, مما يدفعهم للإستماتة في الدفاع عن قلاع الفساد, وعرقلة كل إصلاح من شأنه أن يحمل الأمل للمستضعفين.
لكن جاذبية الريع الذي أسال لعاب الكثير من المحسوبين على النخب السياسية, دفع بعضها لتخلف الموعد مع التاريخ, لتجدها هي من تطوعت لخدمة محاريب الطغيان, وقد قدمت آمال الشعب قربانا لأسياد المعبد, كما فعل من اعتلوا صهوة الربيع ليصلوا سريعا إلى مآرب كان آخر ما قد يوضع في حساباتها ما انتفض لأجله المحرمون. فحلقات الفساد التي تحصن قلاع الاستبداد هي نفسها التي تصنع السياسات العمومية, وتصيغ المشاريع التنموية التي يبني عليها المواطن المنهك انتظاراته, وينسج أحلامه التي سرعان ما تصطدم بلغة الإكراهات التي يبدع في بيانها المتشدقون من الإعلام المأجور, المستفيد بدوره من الريع, بنفس البراعة التي سوق بها أحلام اليقظة. ونحن نتساءل بذهنية البسطاء, عن الإكراهات في بلد يمتلك من الثروات ما يجعل المفارقة صارخة بين تضخم أرصدة المفسدين, وواقع حال المغاربة الذين يرزح ثلثهم أو ما يقارب الثلث تحت عتبة الفقر, وأي عتبة للفقر في مغرب العدم, أما فقراؤهم فكدهم وشقاؤهم يجد الطريق سالكا مرة أخرى إلى جيوب المفسدين, بسبب غلاء فواتير الخدمات الأساسية, وغلاء السلع, وارتفاع الضرائب الذي يذهب ريعه إلى مجهول لا يدركه لب المغاربة, إذ لا يجدون أثره في تعليم جيد, أو مستشفى يحافظ على الحياة ويحفظ الكرامة الإنسانية, أو في توفير مناصب شغل لخريجي الجامعات والمعاهد، أو في توفير مصادر للعيش الكريم, أو في تحسين مستوى الدخل بما يتلاءم مع وتيرة الغلاء وما يناسب إمكانيات البلد....ناهيك عن المنفيين في مغرب صنفه الاستعمار بكونه غير نافع, والذي يعتبر وصمة عار في جبين السياسة والسياسيين, حيث أن دافع الضرائب هناك لا يجد غير الحرمان حتى من شروط الحياة. حرمان هو صناعة برع فيها الطغيان وزبانيته, فلا تكاد تجد بقعة ضوء وسط حجم الظلام الذي يرخي بسدوله على كل من القرى والمدن ويصنع بؤس ساكنيها. ولا يزال سؤال الإكراهات يطرح نفسه بشدة, في غياب تام للشفافية التي تعطي الحق للمواطن في الحصول على المعلومة, ليعرف مداخيل الثروات التي يفترض فيها أنها ملك عام, وفي غياب تام لتكافؤ الفرص الذي يجعل استغلال مصادر الثروة حكرا على الثلة المرضي عنها, في إطار توزيع الريع الذي يجعل من المغرب ضيعة خاصة, لملاكها الحق في التصرف دون العبيد والخدم, وفي غياب تام للمحاسبة يجعل من المسؤولين في حصانة من المساءلة الشعبية, وإلا فمن المسؤول عن فشل النموذج التنموي المغربي, بأوراشه الكبرى وميزانياته الضخمة؟ وما هو ثمن الفشل؟ ومن يدفع ذلك الثمن؟ إلى اليوم لم نجد هناك من يدفع ثمن النهب والفساد, غير هذا الشعب المنكوب الذي لا يزيده توالي السنوات إلا مزيدا من اليأس, ولا تزيده تغيير السياسات وتعاقب الساسة إلا مزيدا من الفقر والهشاشة والتهميش, ولا يزيده تعاظم الطغيان وتجبره إلا مزيدا من الحرمان. فمن مظاهر الإسفاف والاستخفاف بالمواطن أن يكون الفشل مخرجا لأوراش رصد لها من الأموال ما لو تم توزيه على الفقراء أفرادا لكان لهم أنفع.





