شعبان استعداد لرمضان

لطالما تردد على مسامعنا: عند "الامتحان يكرم المرء أو يهان"، وكلما قرب وقت الامتحان إلا وازداد القلق والنسيان، وذهب النوم عن العينين، لمَ لا؟ والوقت وقت ازدحام والكل ينتظر إما الفوز أو الخسران.
فما معنى الامتحان؟
وكيف نستعد لامتحان شعبان؟
وماهي نتيجته في رمضان؟
الامتحان: البلاء والابتلاء، كلاهما امتحان واختبار، ويكونان بالسراء والضراء، ويقعان شرعا وقدرا.
ومن أفضل وأجمع ما قيل في ذلك، ما ذكره الراغب في (المفردات): يقال: بلى الثوب بلى وبلاء أي خلق.. وبلوته: اختبرته، كأني أخلقته من كثرة اختباري له... وسمي التكليف بلاء من أوجه:
أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان فصارت من هذا الوجه بلاء.
والثاني: أنها اختبارات، ولهذا قال الله عز وجل: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين.
والثالث: أن اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسارّ ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين..
كيف نستعد لامتحان شعبان؟
نحوم حول النصف من شعبان، وهو من الشهور العظيمة عند الله تعالى، فكيف نغنم ما بقي منه استعدادا لشهر رمضان الكريم؟ وما هي الوسائل لبلوغ هذا الهدف؟
هذا ما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، نستنبط منها الأعمال التي يجب أن نعمر بها أوقاتنا في هذا الشهر الفضيل.
1- بعدم الغفلة عن العبادات، خاصة عبادة الصوم. عن أسامةُ بنُ زيد رضي الله عنهما أنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" [1].
2- بالإكثارمن الدعاء، طلبا لسلامة وصفاء القلب، وعفوا عن الناس. قال النبي الله صلى الله عليه وسلم: "يَطَّلِعُ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ" [2].
3- بالإكثارمن الاستغفار. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" [3].
وقال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ سُوءً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا[4].
4- بالاكثار من ذكر الله تعالى في جوف الليل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ الله فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ" [5].
وجوف الليل نصفه، وهو وقت النزول الإلهي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ" [6].
ومثل هذه النصوص يتعين حيالها أمران: الإقرار والإمرار. الإقرار بالإيمان بما فيها، والإمرار بالإيمان الذي لا يعتريه ما يقدح فيه من التأويل والتفويض والتشبيه.
فما هي نتيجة هذا الاجتهاد في شعبان على رمضان؟
قال الله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [7].
نتخفف بالاجتهاد في العبادة في شعبان من سيطرة النفس والهوى، ونقف عند مقام عبودية الخوف من الله والرجاء في رحمته سبحانه وتعالى، تائبين مستغفرين، طالبين رضاه والعتق من النار والفوز بالجنة. فمن لا تغلب عليه شقوته ولا تأمره شهوته يكون له نصيب من قوله تعالى: فإن الجنة هي المأوى.
فهنيئا لمن فاز، وطوبى لمن جدد نيته مع الله استعدادا لرمضان، لشهر الله الأعظم إقبالا وقربا.
[1] رواه النسائي.
[2] أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط.
[3] رواه أحمد.
[4] سورة النساء، الآية: 110.
[5] رواه الترمذي.
[6] رواه الشيخان.
[7] سورة النازعات، الآية: 40-41.









