حطم السلبية وكن فعالا

إن النكسات المتتالية التي توالت على الأمة الإسلامية جعلت شعوبها تعاني من فقدان الثقة ومن السلبية، فرفضت كل مبادئها ومقومات عزتها، وتاهت في اقتفاء أثر من هزمها، فالمغلوب يقلد الغالب لا محالة كما يقول ابن خلدون رحمه الله، وقد أطلق على هذه الظاهرة "نحلة الغالب"، يقول في المقدمة׃ «إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده» (1). ومن ثم أصبحنا غثاء كغثاء السيل، تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. فكيف ننهض من جديد؟ وكيف نكسر قيد السلبية؟
لا تكن كلا
ھﺫه الكلمة ذكرها الله عز وجل في سورة النحل، حيث قال عز من قائل׃ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (2)، جاء في تفسير القرطبي «كلٌّ أي ثقل على وليه وقرابته ووبال على صاحبه، وقد يسمى اليتيم كلّ لثقله على من يكفله. والجمع كلول، يقال منه׃ كَلَّ السِّكِينُ يَكِلُّ كَلاّ أي غلظت شفرته فلم يقطع» (3).
فكما يفقد السكين صلاحيته ويتوقف عن أداء مهمته المنوطة به، فكذلك الإنسان الكلّ يتخلى عن وظيفته الحقيقية ويصبح عديم الفائدة. ھﺫا مثل ضربه الله تعالى للسلبية، فالإنسان السلبي هو الذي يفقد كل معاني الفاعلية، حيث تغلب عليه النظرة التشاؤمية فلا يستطيع فعل شيء، ويحاول إفشال جميع مشاريع النجاح. فلا همة له للخطوة الأولى، بل إنه يتوقف عند كل محاولة. كما أن باطنه مملوء بالانتقام والعدوان، لايسمع التوجيهات النافعة، ولا تؤثر فيه المواعظ. فصدق الله العظيم ﺇﺫ أخبر أنه لا يأت بخير أينما توجهه، بل هو دائم الشكوى والاعتراض، همه الوحيد النقد الهدام.
ھﺫه الشخصية المريضة ضارة لذاتها ولمجتمعها، لا تستطيع إصلاح نفسها فبالأحرى إصلاح المجتمع. وإن حاولت الأخذ بيدها ومساعدتها على النهوض رفضت معتذرة بقولها׃ هل مثلي ومثلك يستطيع إصلاح مجتمع بكامله؟ ولمثل هؤلاء ينبغي القول إن التغيير الحقيقي بيد الله، وما مثلي ومثلك إلا كمثل الطائر الذي عز عليه أن يرى سيدنا إبراهيم عليه السلام يحترق بنيران النمرود، فأسرع إلى الوادي يحمل منه قطرة ماء في منقاره ليطفئ النار، وهل ستطفئ ھﺫه القطرة النار المتأججة؟ لكن الله عز وجل جعلها بردا وسلاما. والطائر بذل ما في وسعه وكان نموذجا فعالا، فكل واحد منا أودع فيه الله عز وجل طاقات، إلا أن منا الايجابي الذي يستثمرها ومنا السلبي الذي يختزنها ويرتمي في أحضان الخمول، والأمة إذا أصيبت بمرض السلبية فصلّ عليها صلاة جنازة، وأقم لها مأثما وعويلا.
كن فعالا لما تريد
إن تداول الحضارات سنة الله في الكون، فها هي الحضارة الغربية الآن آيلة إلى أفول لما تحمل في طياتها من عوامل التقهقر، يقول الدكتور هشام الطالب في كتابه دليل التدريب القيادي׃ «فھﺫه أمريكا –القوة العظمى المتفردة- تدلنا الإحصائيات على توجهها نحو جرف هار، فإحصاءات المخدرات والخمور واللواط والأمراض الجنسية... والقتل والسرقات تسبب الهلع والرعب» (4).
وها هي الدراسات المستقبلية تخبرنا أن الحضارة الإسلامية هي الوارث الفعلي للحضارة الإنسانية، كما أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن الخلافة على منهاج النبوة آتية لامحالة، ومن ثم فقد آن الأوان أن نهب من سباتنا، وأن نحطم كل بوادر السلبية، ونسعى نحو الفعالية بكل ما أوتينا من قوة.
فقد قام الدكتور ستيفن كوفي بدراسة مجموعة من الشخصيات المتميزة والفعالة على مر التاريخ، واستخلص سبع عادات أساسية تميزت بها ھﺫه الشخصيات، وجعلت منها شخصيات فعالة، ذكرها في كتابه "العادات السبع للناس الأكثر فعالية"، وهي׃
1- كن مبادرا׃ أي اجعل الظروف توافق أهدافك، ولا تستسلم للعقبات.
2- ابدأ والمثال في ﺫهنك׃ أي لا تشرع في عمل ما إلا بعد تخطيط محكم.
3- ابدأ بالأهم قبل المهم׃ وهو ما يصطلح عليه بفقه الأولويات.
4- تفكير المنفعة للجميع׃ مصداقا للحديث الشريف «الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» (5).
5- حاول أن تفهم أولا ليسهل فهمك׃ وﺫلك مما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم «خاطبوا الناس على قدر عقولهم».
6- التكاتف مع الآخرين׃ ويقصد به العمل الجماعي، وهو روح الخطاب الإسلامي.
7- اشحذ المنشار׃ أي جدد قوتك ومقدراتك المتمثلة في الأبعاد الأربعة للذات الإنسانية؛ الجسم بالرياضة، والعقل بالمعرفة، والروح بالإيمان والقرب من الله، والعاطفة بالتواصل مع الآخرين.(6).
ھﺫه العادات، كما تلاحظ عزيزي القارئ، هي من صميم ديننا الحنيف، بل إن ربنا سبحانه وتعالى يحثنا على مجاهدة النفس، لنتخلص من الصفات المذمومة، ونتحلى بالصفات الحميدة. كما يأمرنا بأن نقتحم العقبة، وهي طريق صاعد وعر، أوعر ما فيه العقبة النفسية التي تعالج بفضيلة الصبر.
فكل من سار على ھﺫا الدرب سيكون بالتأكيد فعالا، ولنا في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم خير أسوة، فمنهم من أسلم بعد الخمسين سنة ومع ﺫلك كان خير نموذج في الفعالية.
جعلني الله وإياكم من الأشخاص الأكثر فعالية، ونفع الله بي وبكم الأمة الإسلامية، وأزاح الغمة الجاثمة على صدور المسلمين. آمين آمين والحمد لله رب العالمين.
_____________________
(1) المقدمة لابن خلدون.
(2) سورة النحل׃ 76.
(3) تفسير القرطبي.
(4) دليل التدريب القيادي.
(5) أخرجه البزار (6947)، وأبو يعلى (3315)، والطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (87).
(6) العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية (بتصرف).






