ثلاثة أعوام في شِعب أبي طالب

لم تكن الدعوة الإسلامية لتبلغ مبلغها إلا بما بذله رجالها ونساؤها، شيبها وشبابها في سبيل نشرها. لقد عانى رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام، وآل بيته الطاهرين، صنوفا شتى من الإيذاء، ولعل أبرزها تلك السنوات الثلاث التي قضوها محاصرين في شِعب أبي طالب.
تحيلني الأيام التي نعيشها حاليا، تحت ما يسمى الحجر الصحي، ومحاصرة وباء كورونا الذي يجتاح العالم هذه الأيام، غير مبال بغني أو فقير، وغير مصنف لمراتب الدول وقوتها أو سلطتها وهيمنتها، تعيدني هذه الأحداث التي نعيشها بحالة من الخوف والهلع إلى سيرة الحبيب ﷺ وهو محاصر، محبوس في شعب أبي طالب. وقد قطع عليه المشركون الطعام وجميع أصناف الحياة الاجتماعية، فبلغ من المسلمين مبلغهم، فالتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، بل وكان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم وقد اشتد بهم الجوع. ولم يكن لهم منفذ لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرام (1).
بل وحتى أمنا السيدة خديجة، مع ما كانت تتمتع به من مال وجاه، قاست الألم والجوع بعد أن بذلت كل ما تملك في سبيل الله.
ومرة جاء إليها حكيم بن حزام -ابن أخيها- بقمح فتعرض له أبو جهل فتعلق به ليمنعه، لولا تدخل أبو البخترة، فمكّنه من حمل القمح إلى عمته رضي الله عنها (2).
وقد طال الأمر عامان أو ثلاثة أعوام، حتى نقضت الصحيفة وفك الحصار وذلك في المحرم سنة عشر من النبوة، ليخرج رسول الله ﷺ وصحابته من الشعب أكثر عزما وعملا. ولتبقى أيضا قريش على شاكلتها من الاستكبار والفجور والعصيان.
الخروج من الحصار لم يكن سهلا، خاصة على كبار السن، وأول من دفع ضريبته أبو طالب الذي تجاوز الثمانين من سنه، فوهنت قوته، والسيدة خديجة رضي الله عنها التي تأثرت بالمرض والجوع، فلم يلبث الاثنان إلا قليلا لتوافيهما المنية، ويقال أنها كانت في رجب سنة عشر من النبوة بعد الخروج من الشعب بستة أشهر (3)، ليفقد رسول الله ﷺ ركنين منيعين كانا سندا قويا له في الدعوة إلى الله.
هنا نستجلي الأسباب الحقيقة التي جعلت المسلمين يقفون وقفة ثبات بالرغم من الأهوال والاضطهادات التي تقشعر لها الأبدان، لنجد الجواب الشافي في عبارة شاملة جامعة وهي الإيمان بالله.
فعندما يتحقق الإيمان الصادق بالله وحده، وتتحقق معرفته حق المعرفة، وكذا اليقين الجازم، فإن الإنسان يرى متاعب الدنيا كقش عائم فوق الماء فلا يبالي بها.
حقا لقد كان لوجود رسول الله ﷺ أمان واطمئنان لهم، وهذا أمان لنا أيضا، فنحن من أمته، ومهما زاغت بنا السبل فلا نكاد نحيد طرفة عين عن اللواذ به والتمسك بمحبته ﷺ، وتكفينا المبشرات التي تركها الحبيب عليه الصلاة والسلام وطمأن بها أرواحنا.
أخرج الحاكم في مستدركه، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان فيكم أمانان مضت إحداهما وبقيت الأخرى. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.
وقال خباب بن الأرث: "أتيت النبي ﷺ وهو متوسد برده وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله، فقعد، وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان مَن قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه.. وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعلجون" (4).
فأمام هذه البشارات التي تستنير لها الدنيا، مع رجائنا الكبير بأن في النهاية النظر إلى وجه الله والفوز بالجنة، نرى هذه الأحداث وما يشهده الكون سوى (سحابة صيف عن قليل ستنقشع). وما ذلك على الله بعزيز.
1) صحيح البخاري، الفتح 3/529.
2) الرحيق المختوم، ص 112.
3) صحيح البخاري، باب قصة أبي طالب، 1/548.
4) صحيح البخاري، 510.






