النصر حليف الشعوب التواقة للحياة الكريمة

تحت سماء توشحت بالسواد، حداد على رقعة جغرافية تضم بين ذراعيها مجتمعات تعشق التكرار والإعادة، مجتمعات أحلام أبنائها تقبر تحت الوسادة، مجتمعات تربت على إجهاض الأهداف قبل الولادة، مجتمعات الاستهلاك والسبات، مجتمعات تقدس التفاهة والخرافة، مجتمعات تبيد التطور والتقدم، مجتمعات حكامها على مضاجعهم يتنعمون، شغلهم الشاغل سلب الإرادات وكسر عزائم التغيير، لأن شعوبهم لا تملك لنفسها حق السيادة وتحلم بالريادة، نسيت الاختلاف وغرقت في الخلاف، مجتمعات تساعد الغريب الذي نهب على الهرب، مجتمعات لا ولم تحرك ساكنا حين الغريب لأرضنا وعرضنا اغتصب، مجتمعات تعلمت الخنوع و الخضوع، ونسيت أنه لغير الله لا ركوع.
مجتمعات تحرم التطبيل والرقص وتحِل في أذهان أطفالها اغتصاب النساء، واستعبادهن، مجتمعات تظن أن حقوقها تمرد وفساد، مجتمعات تدجن الأفكار، فأصبح فلاسفتها وكتابها وعلماؤها كفار يطبق عليهم حكم الحاكم؛ الذي لا يستيقظ إلا وقت التغيير والتجديد والنهوض والاختلاف ليسجن ويقتل ثم يعود ليكمل نومه في هدوء وطمأنينة. مجتمعات حصرت حياتها في الحلال والحرام، مجتمعات انحدرت ولم تُقِر، مجتمعات فخرها فخر أجدادها، مجتمعات نكلوا بها تنكيلا، مجتمعات تشاهد الكوارث خلف التلفاز هادئة، مجتمعات تعلق فشلها على كون الحروب لم تعد بالسيوف، مجتمعات حرية أفكار شعوبها تقتل، مجتمعات شردوا أطفالها، اغتصبوا بناتها، جوعوا شيوخها، رملوا نساءها.
مجتمعات باسم اللون استعبدت بعضها، مجتمعات باسم الطوائف والأديان تباد، مجتمعات تتناحر، وتتقاتل، وتتحارب، حتى وصلت آخر السرداب، مجتمعات قبرت الخير وبعثت الشر، فهذا نتاج مجتمعات غيّبت قيمة الإنسان.
نعم، أيها القارئ، ربما إن لم أقل أنك عرفت وعلمت من لأجله السماء توشحت بوشاح الشح، وأعلنت الحداد. نعم، إنه العالم العربي؛ لغة واحدة، ودين واحد لكن قد اعتراه التشتت والخراب، وأصبح حلبة الصراعات العالمية. نعم فهذا آخر السرداب، ونتيجة اجترار الأوضاع، وجيل يعيد جيلا، نتاج سبات المجتمعات العربية تحت مضاجع حكامهم متشبثين بفكرة أن الاختلاف والإبداع و لتغيير تمرد وعصيان. لم تعلم أن الاختلاف بقاء، وعطاء، ورافعة للنهوض بريادة المجتمعات.
والأكيد أن المجتمعات العربية ستنتصر عندما تتوق للحياة الكريمة، لأن النصر حليف الشعوب التواقة للحياة الكريمة، والمطالب يا أمتي تأخذ غلابا لا تمنيا، ودرب النضال وإن طال يوصل إلى المبتغى ويحقق المرتجى.
لنُعِد إلى السماء زرقتها، وننافس الركب يا عرب، ونتخطى مرحلة مظلمة تاه فيها اللبيب واختلطت فيها الدماء بالمياه. أيا ابن أبي؛ أيا عربي، أيا من تجرع مرارة عربته، أناشدك الله خالفني واختلف معي، وكفانا تقليدا واجترارا لما ينتج الآخر، فقط كن أنت ولا تكن هم، دع ذاتك تسمو، وعانق عمق الحلم.
خلقك الله مختلفا فبربك بالاختلاف اعترف، و لا تتبع ذاك القطيع، ضع يدك في يدي، للمسارعة في بناء رقعة جديدة، لإنقاذ الوطن العربي الذي أصبح مقبرة للطموح ومرادفا للفشل. ولنقطع الصلة مع قبر ووأد الأفكار وتدجين الاختلاف والابتكار والإبداع، من أجل أن نحقق تغييرا حقيقيا يربط كل مسؤولية بالاختيار الشعبي الحر.
يا ابن أبي؛ التغيير يرسخه الاختلاف، وباعثه الأمل، وأفقه الحرية. فهلموا يا شباب العرب لنعيد مجد أيام خوالي عندما نوّر الإسلام قلب الإنسان، ولنعيد الإيمان الذي صرنا نحكي عنه بصيغة الماضي، ولنشعل شمعة القرآن، فأنتم نبراس الرقعة وجذوة نورها التي آن لها أن تشتعل، لأن هممكم عالية وعزائمكم قوية، نعم فالنصر حليفنا نحن الشعوب التواقة للحياة الكريمة.





