الرّوح

سُوَيْعَةٌ في رِحابِ الرّوحِ أَقْضيها *** غَنيمَةٌ تَزِنُ الدُّنْيا وما فيها حَقْلُ التَّجَلّي مُعَرّاةٌ سَنابِلُهُ *** فادْخُلْ لِقَطْفِ الرُّؤى أَنّى تُلاقيها ما بالُ جِسْمِكَ منقادا لِشَهْوَتِهِ *** سُحْقاً لِكُلِّ فِخاخٍ أَنْتَ مُبْقيها! هَيْهاتَ تُدْرِكُ ما يَمْضي بلا رجْعَةٍ *** فالعُمْرُ لُؤْلُؤَةٌ كَمْ كُنْتَ تَرْميها! تَجولُ في بَدَني روحٌ بِلا حَرَسٍ *** طَليقَةً تَتَهادى في مَجاريها والجِسْمُ في قَفَصٍ تَنْتابُهُ عِلَلٌ *** وهَذِهِ الرّوحُ رَبُّ الرّوحِ يَحْميها لَمّا أَنامُ جَناحُ النَّوْمِ يَنْشُرُها *** وحينَ أَصْحو شُعاعُ الصَّحْوِ يَطْويها تَمْشي إِلى غايَةٍ والجِسْمُ يَتْبَعُها *** كَالظِّلِّ يَلْهَثُ مَجْرورا بِأَيْديها يَشْقى بِها المَرْءُ إِنْ كانَتْ رَغائِبُهُ *** أَقَلَّ سَعْياً وأَدْنى مِنْ مَساعيها ويَسْعَدُ المَرْءُ إِنْ كانَتْ مَطِيَتُهُ *** تَسوقُهُ نَحْوَ أَسْرارٍ لِيَجْنيها شَهِيَّةً مِنْ حُقولِ الغَيْبِ قَدْ بَعُدَتْ *** لَكِنَّ أَجْنِحَةَ الإِصْرارِ تُدْنيها بَعْدَ المَنِيَةِ تَحْيى في بَرْزَخٍ *** عَزيزَةً.. حُرَّةً.. مُخْتالَةً تيها إِنْ عابَها دَنَسٌ فاللهُ يُنْزِلُها *** واللهُ، إِنْ زانَها طُهْرٌ، يُعَلّيها نَسائِمُ الخُلْدِ في العَلْياءِ تُضْحِكُها *** ومَشْهَدُ النّاسِ في الأَغْلالِ يُبْكيها الطّينُ والماءُ والصَّلْصالُ في جَسَدي *** والنَّفْسُ هائِمَةٌ أَنّى أُجاريها؟ تَزورُ أَمْكِنَةً لَمْ يَغْشَها بَشَرٌ *** بَيْضاءُ فاتِنَةٌ سُبْحانَ بانيها بِها المَلائِكُ يَبْنونَ العُلا دَرَجاً *** لأَنْفُسٍ صاعِداتٍ في أَعاليها المَجْدُ في يَدِها تاجٌ تُلَمِّعُهُ *** والعَدْلُ مِنْ كَوْثَرِ الرَّحْمَنِ يَرْويها نَفْسي رُوَيْدَكِ فَالأَحْلامُ شائِكَةٌ *** أَدْمَتْ جِراحي فَمَهْلاً كَيْ أُنَقّيها إِذا جِراحُ الفَتى زادَتْ مَواجِعُها *** أَلْهَمْتِها الصَّبْرَ والسُّلْوانَ يَشْفيها أَنْتِ السَّكينَةُ والتِّرْياقُ في قَدَحٍ *** أَنْعِمْ بِأَقْداحِها المَلأى وساقيها! إِذا نَزَلْتُ إِلى أَعْماقِ هاوِيَةٍ *** زَحْفاً على شَهْوَةٍ سودٍ حَواشيها كُنْتِ المَنارَةَ في يَمٍّ مَراكِبُهُ *** تَلاطَمَتْ فَوْقَها الأَمْواجُ تُفْنيها فَحَلِّقي بي إِلى خُلْدٍ يُطَهِّرُني *** إِنّي سَئِمْتُ دُنىً تَفْنى رَوابيها!


