أما آن الأوان لإيقاف هذا الحريق

نشأت فدوى العروي في أسرة بسيطة تعاني كل أنواع الفقر بحي صفيحي، قضت طفولة بائسة بين أزقة الصفيح وبيوتها التي تلتهب حرارة بالصيف وتتسرب ماءا بالشتاء وسط أسرة أعياها الكد والشقاء لأجل البقاء أسرة حرمتها الحاجة من الدفء الأسري، من معاني التربية القويمة، من استبشار بغد أفضل، من...
انقطعت فدوى عن الدراسة منذ الصف الثاني ابتدائي لتخرج إلى صخب البحث عن القوت اليومي وكانت مقتنعة أن الدراسة لا تليق لأمثالها وأن الاحتماء بالأسرة ليس من حقها، وأنها عالة على نفسها وعلى أسرتها إن لم يكن لها دخل مادي، لكن فتاة في ربيعها الثامن والتاسع مع نقص كبير في التوجيه والتربية وكابوس المادة المسيطر على عقلها والهوة بينها وبين المحضن الأول الأسرة، بينها وبين الوعي بالواقع وتجاوزه أين ستؤدي بها؟ هذا الواقع المؤلم لم يمكن فدوى من السير في المسار الصحيح لتجد نفسها في عالم التشرد والتيه والتمرد على الوضعية المزرية التي تعيشها فكان شبابها سنوات من القهر عانت منها حتى الموت ربطت علاقات غير شرعية كانت نتيجتها طفلين أخرجتهما إلى الوجود لتستمر حياة التشرد.
كانت تقيم مع أسرتها بحي صفيحي دوار عبد العزيز بسوق السبت هذا الحي من أقدم الأحياء بالمدينة عاش به الناس لأزيد من ثلاث عقود وهم على أمل تسوية الوضع السكني, وبعد عدة وعود كاذبة وعهود ظالمة من طرف المسئولين في شخص المجلس البلدي اضطر هدا الأخير إلى تحديد بقع لسكان هدا الحي تعويضا عن ماذا؟ عن سنوات الصفيح المبلل أحيانا والملتهب أحيانا أخرى؟ عن سنوات انعدام الماء والعطش اليومي، عطش للماء والهواء ولكل ضروريات الحياة؟ عن سنوات الظلام وحبال الكهرباء تمر فوقهم لتنير غيرهم؟ عن سنوات اختلاط الروائح الكريهة، في ظل غياب شبكة التصريف وتسرب المكروبات والجراثيم إلى أمعائهم عبر طعامهم وشرابهم؟ عماذا ستعوضهم هذه الأمتار المربعة يا ترى؟ وهل يعيدون نصب القصدير عليها من جديد؟ فمنهم من اقترض ومنهم من تشارك ومنهم من ينتظر لأجل بناء بقعته، لم يكن هذا التقسيم للبقع إلا ربح للمحلات التجارية للأسمنت والحديد و...وطبعا ثم تحديد بقع تحت الطاولة يقتسمها أصحاب القسمة الضيزى.
شرع السكان في بناء بقعهم على الرغم من الصعوبات ومن ضمن الناس فدوى رغم وضعها المزري كانت تعيش على أمل أخد بقعة لتأوي إليها. وبعد أن دونت البقعة باسم والديها وجدت نفسها بدون مسكن لا صفيحي ولا غيره احتجت في الأسرة في الحي في الشارع ولا من يساند ولا من يواسي، إلا من يسأل ليرضي فضوله.
خيبة أمل كبيرة أمام صمت رهيب للناس وتعنت للمسئولين حتى عن الاستماع لجراح فدوى، أدت بها إلى الأقدام عن إنهاء حياتها بأبشع الطرق، بعد أن طرقت كل الأبواب كان آخر باب تطرقه ولم يوصد في وجهها بل أعطاها الحل، إنه باب المجلس البلدي، دخلت لتشكي عن ضررها لتطالب بحقها،لتسأل عن مآلها، ويا للهول من جواب المسؤول، قالت فدوى بعد أن رفض المسؤول إنصافها متسائلة: ماذا سأفعل إن لم تستجيب لحقي في السكن؟ قال: أحرقي نفسك وإن لم تجدي ما تشعلين به النار أنا أعطيك الوقود لتشعليها، خرجت الكئيبة البائسة المحقرة من طرف المسؤول من طرف المجتمع المنفصم، من طرف... خرجت إلى الشارع، الشارع الذي هو ملاذها خرجت في حالة من اليأس والغضب والنفور من الحياة لتنفذ بكل سرعة ودقة ما اقترحه عليها المسؤول من حل لوضعها كانت النار تلتهب في جسدها على مرأى ومسمع من العامة أمام المجلس البلدي وهي تردد على لسانها مرارة واقعها وامتناع المجلس البلدي عن إنصافها، وبعد أن تمكنت النار من جسدها ثم نقلها إلى المستشفى للأغاثتها، لكن فات الأوان واحترقت فدوى، بعد أن احترقت طفولتها و شبابها وأحلامها كانت النتيجة أن تضم جسدها هو الآخر إلى قائمة المحروقات لتضع نهاية لحريق حياتها. لكنها نهاية فرد و استمرار أفراد.
فمجتمعنا فيه أمثال فدوى وهم كثر رجال ونساء، يحترقون كل يوم ولا يرى حريقهم، منهم سكان صفيح يتجرعون مرارة العيش، منهم أطفال تشردوا في بداية حياتهم، منهم شباب انقسموا بين العطالة والبطالة والجهل والتشرد و... ومنهم ومنهم...
جراحنا كل يوم تزيد أما آن الأوان لإيقاف هذا الحريق.

