8 ماي 1990 بين أصداء الداخل وتفاعلات الخارج

Cover Image for 8 ماي 1990 بين أصداء الداخل وتفاعلات الخارج
نشر بتاريخ

شهدت العاصمة الرباط يوم الثلاثاء 8 ماي 1990 حدثا استثنائيا في تاريخ المغرب كانت له تداعيات داخلية كبيرة على عدة مستويات سياسية وحقوقية واجتماعية، وأثار انتباه وتحرك بعض الجهات الدولية المستقلة التي لم تخف تجاوبها مع ما يعيشه المغرب من أوضاع خلال هذه الفترة، والتي لا يمكن توصيفها سوى بأن البلد كان يتململ فوق صفيح ساخن ستنفجر تناقضاته في أحداث 14 دجنبر 1990 الأليمة.

في سابقة فريدة من تاريخ المغرب المعاصر تتم محاكمة جل قيادة تنظيم مغربي معارض دفعة واحدة، وتصدر الأحكام الابتدائية المنسوخة الممسوخة بنفس النمطية المعهودة لدى المخزن: سنتان سجنا نافذا و10 آلاف درهم غرامة، وهي الأحكام التي استدعت من محامي الدفاع طلب استئنافها، الأمر الذي حدد له يوم 8 ماي 1990 موعدا لجلسته العلنية الأولى وبحضور أعضاء مجلس الإرشاد المتابعين في حالة اعتقال.

وقد أثار الاعتصام السلمي الكبير لأعضاء جماعة العدل والإحسان بمحكمة الاستئناف بالرباط مؤازرة لقيادتهم الرشيدة الكثير من التفاعل الدولي، في حين لم يلقى داخليا من نخب السياسة والإعلام بالبلد سوى الجمود والتجاهل، إلا ما كان من بعض الصحف الوطنية التي نقلت الخبر من دون توسع في تغطيته.

أما على الصعيد الدولي فقد تناقلت بعض وسائل الإعلام الأجنبية الذائعة الصيت خبر الاعتصام السلمي وخصته بالتحليل والمناقشة ومن أبرزها إذاعة لندن العضو بهيئة الإذاعة البريطانية BBC، هذا فضلا عن بعض القنوات الدولية الأخرى. كما تابعت الحدث منظمة العفو الدولية الهيئة الحقوقية الأبرز على الصعيد الدولي وأصدرت تبعا لذلك بعد حوالي الشهر تقريرها المعنون باعتقالات العدل والإحسان وبواعث قلق منظمة العفو الدولية، وقد شكل هذا التقرير فضحا علنيا لسياسات المخزن الظالمة.

أما على الصعيد الداخلي فإن وسائل الإعلام المغربية الرسمية لم تعر الحدث أي اهتمام وكأن مكان وقوعه ليس العاصمة الرباط بل وقلبها، حيث تتجاور العديد من المؤسسات والإدارات الحكومية والذي لا يبعد عن مقر الإذاعة والتلفزة المغربية سوى ببضع مئات الأمتار. وربما يكون قد شغلها عن إيراده ما شهده القصر الملكي من إعلان مفاجئ لتأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عبر خطاب رسمي للملك الحسن الثاني. لكن إغفال الحدث يظهر أنه كان أمرا متعمدا على الرغم من أهميته وتداعياته الكبيرة على الوضع السياسي والحقوقي للمغرب.

كما أن الهيئات الحقوقية الوطنية المغربية لم تقم بالتفاعل مع الحدث بما يكفي من الرصد والمتابعة، وقد كانت حينها عديدة وفاعلة، باستثناء حضور ومؤازرة بعض رموزها الذين يمارسون مهنة المحاماة لوقائع المحاكمة وتسجيلهم ضمن هيئة الدفاع.

إن حدث 8 ماي 1990 الذي عمل المخزن على التعمية على حقيقته وأهميته، قد شكل رجة قوية في دواليب ومفاصل دولة المخزن إلى الحد الذي جعلها تخضع لارتداداته السياسية والحقوقية والمجتمعية بقرارات وخطوات تنفيذية، لم يك أهونها الاعتراف بوجود معتقلات سرية بالمغرب وإنشاء واجهة حكومية مخزنية لتجميل صورته سمّيت حينها الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان.