سيدنا محمد ﷺ.. بابنا الدائم إلى الله تعالى

Cover Image for سيدنا محمد ﷺ.. بابنا الدائم إلى الله تعالى
نشر بتاريخ

قال الله عز وجل: لقد من الله على المؤمنين إذ بَعَثَ فِيهم رَسُولاً مِن أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران، 164].

قال ابن كثير: “فَهَذَا أَبْلَغ فِي الِامْتِنَان أَنْ يَكُون الرُّسُل إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ بِحَيْثُ يُمْكِنهُمْ مُخَاطَبَته وَمُرَاجَعَته فِي فَهْمِ الْكَلَام عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: “يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاته” يَعْنِي الْقُرْآن، “وَيُزَكِّيهِمْ” أَيْ يَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَر لِتَزْكُوَ نُفُوسهمْ وَتَطْهُر مِنْ الدَّنَس وَالْخَبَث الَّذِي كَانُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهِ فِي حَال شِرْكهمْ وَجَاهِلِيَّتهمْ، “وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة” يَعْنِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة، “وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْل” أَيْ مِنْ قَبْلِ هَذَا الرَّسُول، “لَفِي ضَلَال مُبِين” أَيْ لَفِي غَيّ وَجَهْلٍ ظَاهِر جَلِيّ بَيِّنٍ لِكُلِّ أَحَد. ووصف سيدنا علي رضي الله عنه المسلمين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ تشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأصنام فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، والآثام بِكُمْ مَعْصُوبَة)“. [نهج البلاغة، الخطبة، ص26].

بعث الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعثته التاريخية في الزمان والمكان، فكانت بعثة نور وتنوير لظلمات الجهل والجاهلية، بعثة رفعت المسلمين إلى “خير أمة أخرجت للناس” حين تلا عليم رسولهم أن حكمة خلقهم أن يكونوا لله عبادا، وأخبرهم أن الدنيا دار بلاء فانية والآخرة دار جزاء باقية، وزكى بصحبته صلى الله عليه وسلم قلوبهم ووحدها على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى محبته صلى الله عليه وسلم واتباعه، فهو منهم ومعهم، فبما علمهم من أمر دينهم يستنيرون وبعمله يعملون، حتى حلت الهداية بقلوبهم ونشطت للعبادة جوارحهم وحل الأمن بدارهم، وأعزهم الله بالإسلام ووحَّدهم من فٌرْقة فأصبحوا أمة قوية لا تغلب.

وبعد حين من الزمان دعا الله لجنابه حبيبه صلى الله عليه وسلم، وما رحل صلى الله عليه وسلم حتى أورث المسلمين هديه الكامل وتركهم على بيضاء ناصعة واضحة لا يحيد عنها إلا هالك.

وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم تمسك أولو الرشد من الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم بوصيته، وواصلوا ركب دعوته، فجمعوا المسلمين على شرعه وخلفوه خلافة راشدة أمينة، لكن ما لبث أن نكصت بالمسلمين همتهم ووهن في قلوبهم حب من جعل الله حبه مقرونا باتباعه وتعزيره وتوقيره ونصرته وفدائه بالمهج. وبعدما خبا الإيمان في القلوب، وحلت بالمسلمين الفتن ففرقتهم، وأخلدوا للدنيا يبغونها، وتنافسوها بينهم، تكالب عليهم الأعداء، وانقلبت قوتهم ضعفا واتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبا، إلى أن صاروا على ما هم عليه الآن أعداد لا يؤبه بها، أمة مفقَّرة مجهَّلة وعن دينها الذي هو مصدر عزتها وقوتها غافلة.

فكيف يا أمة الإسلام تنبعث فينا من جديد بواعث الانتساب لديننا الحنيف، مصدر قوتنا وسبب عزتنا وأساس عيشنا الكريم؟

قال سبحانه: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء، من الآية 104]، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. قبس الصحابة الكرام من نور المبعوث فيهم رحمة نور النموذج الخالد لكل الأجيال صلى الله عليه وسلم، فوصلهم بنور القرآن وقربهم من الله جلت قدرته فأحبهم ونصرهم. اتبعوه محبة وقولا وعملا فاهتدوا وآمنوا وبرضا الله فازوا، وكذلك يفعل الله بمن سار سيرهم واقتدى بهديهم. فقد كانت ومازالت بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المسلمين بعثة تاريخية، تتجدد في كل زمان في قلب كل مسلم تائب استيقظ من سبات غفلته وعصيانه، بعثة تتجدد في قلب كل مؤمن وعى دلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس على أن الخلائق مدعوون لسعادة الدنيا والآخرة، مدعوون لنيل حظهم من الله الكريم بالترقي في معارج الإيمان والإحسان وإقامة العدل في الأرض، بعثة تجلو الغشاوة عن قلب كل من عظم قدر نبيه وتنفس نسيم حبه وتأدب بأدبه “هذا النبي الخاتم العزيز على ربه هو القدوة الخالدة للبشرية، خاتم بالزمان وخاتم بالكمال. غشِيَتْ أعينٌ لا تستنير بنوره، وخابت وخسرت ذمم فَصَمَتْ ما بينها وبينه. قال الله تعالى في حقه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً” (1).

نموذج رائع في كل الحركات والسكنات في العبادات والأخلاق، منة الله وفيض خير ورحمة على العالمين. فاتباعه وحده كفيل أن يخرج من المسلمين الآن نماذج ربانية عالية الهمة كما أخرج من الصحابة أمثال أبي بكر وعمر وسمية وغيرهم. باتباعه ينجمع شتات المسلمين وتتوحد طوائفهم ويعتصمون بحبل الله الممدود، فإنه لا وصول إلى الله عز وجل إلا عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، فإن فاتتنا صحبته فقد بقي فينا هديه نتبعه. قال الله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران، الآيتان: 31-32].

قالَ ابنُ حبَّان رَحِمَهُ اللهُ في مقدمةِ صحِيحهِ: “وَإِنَّ فِي لُزُومِ سُنَّتِهِ: تَمَامَ السَّلاَمَةِ، وَجِمَاعَ الكَرَامَةِ، لاَ تُطفَأ سُرُجُها، وَلاَ تُدْحَضُ حُجَجُهَا، مَنْ لزِمها عُصِم، وَمَنْ خاَلَفَهَا نَدِم؛ إِذْ هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ، وَالرُّكْنُ الرَّكِينُ، الذِي بَانَ فَضْلُهُ، وَمَتُنَ حَبْلُهُ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ سَادَ، وَمَنْ رَامَ خِلاَفَهُ بَادَ، فَالمُتَّعَلِّقُونَ بِهِ أَهْلُ السَّعَادَةِ فِي الآجِلِ، وَالمُغْبَطُونَ بَيْنَ الأَنَامِ فِي العَاجِلِ”.

اللهم صل على من قرنت محبته من محبتك وجعلت طاعته من طاعتك، وبيعته من بيعتك، وكان المبلغ عنك، بابك الأعظم؛ من لزمه فرح وفاز ومن عصاه وتولى عنه خاب وكفر، عبدك ونبيك ورسولك عليه أفضل الصلاة والتسليم.


(1) عبد السلام ياسين، القرآن والنبوة، ط 2018/2، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ص 53.