اقتران العدل بالإحسان في سيرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (1)

Cover Image for اقتران العدل بالإحسان في سيرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (1)
نشر بتاريخ

 تــــقــــديـــــم

وأنت تطالع بعضا من بحر مشروع الإمام ياسين رحمه الله، تجد عدة ثنائيات تؤطر هذا الصرح الكبير، فمنها الضدية كالخلافة والملك، والتفاضلية مثل: من زمن العادة إلى زمن العبادة، والتكاملية كالدعوة والدولة، والرحمة والحكمة، والعدل والإحسان، العدل في الحكم والقضاء والقسمة، والإحسان، عبادة ومعاملة وعملا 1.

وقد اعتبر الإمام هذه الثنائية “أم القضايا “وأباها” في الدين والدنيا، في الدعوة والدولة، في المصير السياسي والمصير الأخروي،” 2 بهما يبنى كيان الإنسان باعتباره بِؤرة كل إصلاح أو تغيير.

ولا يتحقق ذلك إلا برفع الحيف والظلم المسلطين على بني الإنسان، أفرادا وجماعات، إحقاقا “لحقوق الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يضمن التوازن والقسط في المجتمع ليكون البساط الملائم والمهيأ لتلبية نداء الإحسان بما هو توبة مستمرة، وعبودية كاملة لله عز وجل، ورقي فردي في معارج القربى من الله سبحانه، وترق جماعي في سلم القيم الفطري” 3.

ولعل هذا ما أكسب دعوة العدل والإحسان بعدا شموليا متوازنا، تنبذ السلوك الروحي المعزول والمنعزل، أو الحركة المركونة السائمة في سوق السياسة والفكر، وتنهج الوضوح بتميز وثبات، رغم ما يحيط بها من مكائد ومصائد وقتامة وفتن، سلاحها “اليقين لترسخ أقدامها في أرض الواقع فلا تزلزلها الهزات المفزعة المفجعة التي تعصف بكيان الأمة” 4.

وبما أن واقع الناس اليوم يصعب فيه تخيل الجمع بين قضيتي العدل والإحسان لانفصالهما عن بعضهما ردحا من الزمن، كان لزاما تقديم نموذج عملي مر في التاريخ، تمكن من جمع ما انفصم: علما وعملا، عدلا وإحسانا.

 فكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي “شمر عن ساعديه يحارب نفسه ويضرب مثلا خالداً في الصالحين” 5، ذكره الإمام في رسالته الشهيرة: “الإسلام أو الطوفان” في سياق نصيحته لملك المغرب الحسن الثاني في سبعينيات القرن الماضي باقتفاء أثر الرجل وسلوك مسلكه قائلا: “وهذا عمر بن عبد العزيز سيد الرجال أضع أمامك نموذجه عل الله يجدد لنا فيك الخير والشهامة والخلافة على منهاج النبوة” 6، فتعالوا بنا نتلمس آثار التطبيق العملي لاقتران العدل بالإحسان.

عمر بن عبد العزيز

كان “تابعيا جليلا” 7، تربى على أيدي كبار فقهاء المدينة وعلمائها، فكان صالح بن كيسان مربياً له، وهو الذي قال فيه: «ما خبرت أحداً الله أعظم في صدره من هذا الغلام» 8. وكان يحرص على التشبه بصلاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أشد الحرص، فكان يُتمُّ الركوع والسجود ويخفِّف القيام والقعود، وفي رواية صحيحة: “أنّه كان يسبِّح في الركوع والسجود عشراً عشراً”. 9

ويذكر كذلك أنه كان حريصا على العلم، وكانت رغبته في الأدب كبيرة، ولقد روى الحديث عن “عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وسهل بن سعد، واستوهب منه قدحًا شرب منه النبي صلى الله عليه وسلم، وأَمَّ الصلاة بأنس بن مالك” 10، وحدَّث أيضًا عن: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وطائفة.

ومازال ذلك دأبه حتى اشتهر فزوجه “عمه الملك عبد الملك بن مروان بابنته فاطمة” 11، ثم أصبح أميرًا على المدينة في عهد الوليد بن عبد الملك لمدة تقارب العشر سنوات.

شهادات متميزة:

وقبل أن أتحدث عن توليته خليفة للمسلمين، ثم التحولات الأنفسية والسياسية والاقتصادية التي أحدثتها سياسته لدولته، والإجراءات التي اتخذها لذلك، أسوق شهادات بعض العلماء فيه:
يقول أنس بن مالك: “ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله من إمامكم هذا ــــ يعني عمر بن عبدالعزيزــــــــ” 12

وقال الحافظ الذهبي: “وكان إماما فقيها، مجتهدا، عارفا بالسنن، كبير الشأن، ثبتا حجة حافظا، قانتا لله أواها منيبا… يعد في حسن السيرة والقيام بالقسط مع جده لأمه عمر، وفي الزهد مع الحسن البصري، وفي العلم مع الزهري” 13

وقال الإمام النووي: “الإمام الحافظ، العلامة المجتهد، الزاهد العابد، أمير المؤمنين حقا” 14.

ويقول الحسن البصري: “ما ورد علينا قط كتاب عمر بن عبد العزيز إلا بإحياء سنة، أو إماتة بدعة، أو رد مظلمة” 15، وهي صفات لا تجتمع إلا للمجددين الذين يبعثهم الله على رأس كل مئة سنة، لذلك فقد شهد له كثير من العلماء بأنه مجدد المئة الأولى، من أمثال: الحسن البصري وميمون بن مهران وسفيان الثوري والشافعي، وغيرهم كثير.

وتتوالى الشهادات على تجرد عمر وإيثاره الجوع والحرمان لكي تشبع أمته، وتطوى صور الفقر والظلم والألم، ويفرغ بيته من كل ملذات الحياة وتملأ بيوت الجائعين.

عاش الرجل في ظل الملك، ملك ورث الحكم بعد أن كان شورى بين المسلمين، حكم تسبب أصحابه في نقض أولى عرى الإسلام، ثم تلاها انتقاض باقي العرى، شاب كان يرفل في النعيم والحرير والقصور في ظل توسع الدولة الإسلامية وكثرة أموالها.

شاب عرف بريحه الطيب وبإسبال إزاره ومشيته التي سميت مشية عمرية، حتى أن الجواري كن يتعلمنها لحسنها وجمال تبخترها، يا ترى أيمكن لهذه العروة التي انفصمت أن تعود إلى سابق حالها كما كانت في عهد أبي بكر وعمر؟ فماذا كان يخبئ القدر له؟

ينقل إلينا رجاء بن حيوة خبر تولية عمر بن عبد العزيز الخلافة وملابسات ذلك قائلا: “لما ثقل سليمان بن عبد الملك رآني عمر بن عبد العزيز في الدار، أخرج، وأدخل، وأتردد، فقال: يا رجاء! أذكرك الله والإسلام أن تذكرني لأمير المؤمنين، أو تشير بي، فو الله ما أقوى على هذا الأمر، فانتهرته، وقلت: إنك لحريص على الخلافة، فاستحيى، ودخلت، فقال لي سليمان: من ترى لهذا الأمر؟ فقلت: اتق الله، فإنك قادم على الله تعالى، وسائلك عن هذا الأمر، وما صنعت فيه، قال: فمن ترى؟ قلت: عمر بن عبد العزيز، قال: كيف أصنع بعهد عبد الملك إلى الوليد وإلي في ابني عاتكة أيهما بقي، قلت: تجعله من بعده، قال: أصبت، جئني بصحيفة، فأتيته بصحيفة، فكتب عهد عمر ويزيد ابن عبد الملك من بعد، ثم دعوت رجالا، فدخلوا، فقال: عهدي في هذه الصحيفة مع رجاء، اشهدوا واختموا الصحيفة، قال: فلم يلبث أن مات، وخرجت إلى الناس، فقالوا: كيف أمير المؤمنين؟ قلت: لم يكن منذ اشتكى أسكن من الساعة، قالوا: لله الحمد.

 فمات سليمان… ورجاء بن حياة صاحب أمره ومشورته، خرج إلى الناس، فأعلمهم بموته، وصعد المنبر فقال: إن أمير المؤمنين كتب كتابا، وعهد عهدا، وأعلمهم بموته، أفسامعون أنتم مطيعون؟ قالوا: نعم، وقال هشام: نسمع ونطيع إن كان فيه استخلاف رجل من بني عبد الملك، قال: ويجذبه الناس حتى سقط إلى الأرض، وقالوا: سمعنا وأطعنا، فقال رجاء: قم يا عمر وهو على المنبر فقال عمر: والله إن هذا لأمر ما سألته الله قط.” 16

يقظة قلبية عمرية:

إنها إشارة إلهية “وأسباب دبرها الله عز وجل الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كي تكون صُوى في طريقه” 17، إنها اليقظة القلبية التي حولت مجرى حياته، وكانت تنتظر تلك الإشارة لتنطلق.

والغريب في هذه اليقظة القلبية العمرية أنها لم تكن بسبب مرض أو أزمة مالية أو أزمة نفسية …بل كانت يوم أن فتحت الدنيا زخارفها أمام عمر ضاحكة مغرية: قصورا وجواري حسان ومال وسلطان، فزهد في كل شيء، فكانت الإشارة الإلهية أن هجم عليه الخوف الشديد من ذي البطش الشديد، وهو من هو، لم يكن بينه وبين ربه أحد يداهنه أو يخشاه، بل كان الخليفة عمر.

لقد أدهش الجميع، بما فيهم الأعداء، ليس “بعبادته وتبتله، وعلمه وورعه، وعدله ورحمته وشفقته، وسماحة خلافته، وحسب، بل أنه شغل التاريخ ـــ كذلك ــــ بذلك الانقلاب الرهيب الذي حدث له ساعة تسلم الخلافة” 18.

انقلاب رهيب، وتقدير كبير، وفهم عميق للمسؤولية ولما ينتظره من مساءلة أمام ربه، فكيف يشبع وفي الأرض فقراء لا يشبعون؟ كيف ينعم وفي رعيته مرضى يتألمون ولا يجدون ما يتداوون به؟ كيف يهنأ له بال والظلم ينخر محاكم بلاده؟ أم كيف ينام وعرى الإسلام تُنتقض عروة عروة أمام ناظريه وتحت سمعه؟ أم كيف يرفل في الحرير وكثير من أمته عراة جياع؟
 قال عطاء بن أبي رباح: “حدثتني فاطمة، امرأة عمر بن عبد العزيز: أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه، يده على خده، سائلة دموعه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة، إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي، فبكيت”، 19 فكان بفعله هذا حجة على ملوك الأرض من بعده.


[1] منير الركراكي، لبنات في ثنائيات، مايو، 2012، https://yassine.net/ar/، بتصرف.
[2] رسالة الإمام حول تسمية الجماعة “العدل والإحسان”، شتنبر 1987م
[3] جماعة العدل والإحسان (7)، 29 غشت 2008، الفصل الرابع: المنهاج الدعوي، هيئة التحرير. بوابة الجماعة.
[4] رسالة الإمام حول تسمية الجماعة “العدل والإحسان”، شتنبر 1987م
[5] رسالة الإسلام أو الطوفان، ص: 76
[6] ياسين عبد السلام، رسالة الإسلام أو الطوفان، ص: 76.
[7] قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية؛ مكتبة المعارف، بيروت لبنان، ج: 9، ص: 192.
[8] المصدر نفسه، ج: 9، ص: 193.
[9] المصدر نفسه، ج: 9، ص: 193.
[10] ابن كثير، البداية والنهاية، ج: 9، ص: 194.
[11] ابن كثير، البداية والنهاية؛ جـ 9، ص: 193.
[12] عبد الستار الشيخ، عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية: 1996، ص: 5.
[13] المرجع نفسه، ص: 5. وذكره ابن كثير، البداية والنهاية؛ ج: 9، ص: 194.
[14] عبد الستار الشيخ، عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ص: 5.
[15] المرجع نفسه، ص: 5.
[16] الذهبي؛ سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الطبعة التاسعة: 1413ه/1993، ج:5، ص: 123.
[17] عبد الكريم العلمي ومنير الركراكي، حوار شامل: 1989(مقال إلكتروني)، https://www.yassine.net/ar/interview
[18] عبد الستار الشيخ، عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ص: 8/9.
[19] الذهبي، سير أعلام النبلاء؛ جـ5، ص: ـ131.