في حوار معمّق.. ذ. حمداوي يقارب “قضايا الأمة” في تصور “العدل والإحسان”

Cover Image for في حوار معمّق.. ذ. حمداوي يقارب “قضايا الأمة” في تصور “العدل والإحسان”
نشر بتاريخ
هيئة التحرير
هيئة التحرير

حاور موقع “عربي 21” الأستاذ محمد حمداوي؛ مسؤول العلاقات الخارجية في جماعة العدل والإحسان وعضو مجلس إرشادها، حول قضايا الأمة؛ مفهومها وماهيتها والحيز الذي تحتله في أدبيات الجماعة، وسبب مكانة القضية الفلسطينية التي تستحوذ على النصيب الأبرز من اهتمام الجماعة، وتفاعلها مع تطورات الأحداث ومساراتها في الساحة العربية والإسلامية.. وغيرها من المحاور.

فيما يلي النص الكامل للحوار، الذي أجري بمناسبة ذكرى مرور أربعين سنة على تأسيس الجماعة.


بداية ماذا تقصدون بـ”قضايا الأمة”؟ ما هي هذه القضايا؟ وماذا يعني مفهوم الأمة في تصوركم؟

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. بداية أشكركم على هذا الحوار الجاد، بمناسبة هذه الذكرى الطيبة، ذكرى مرور أربعين سنة على تأسيس جماعة العدل والإحسان. وأبدأ بسؤالكم حول مفهوم “الأمة” وأقول إن هذا المفهوم يعد مركزيا في التصور المنهاجي النبوي، فهو يستقي دلالاته من القرآن الكريم الذي ورد فيه هذا اللفظ في سياقات متعددة، من قبيل معنى الرجل المصلح الذي يدعو إلى الرشاد، كما في قوله سبحانه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أو الجماعة الموحَّدة المتبعة لدين واحد، كما دل عليه قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً. وقد تفيد معنى جماعة فاعلة مؤثرة في مجتمعها كما في الآية التالية: وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

ومن خلال الجمع بين الدلالات السابقة، فإننا نقصد بـ”الأمة” في سياق النصرة: كلَّ الناس المتبعين لدين الإسلام سواء كانوا فرادى من أهل العلم والصلاح والدعوة إلى التغيير، أو الجماعات المؤثرة الفاعلة في مجتمعاتها الإسلامية، أو عامة المسلمين في كل بقاع العالم، مع التأكيد على البعد الزمني الذي نقصد به الأمة الحالية.

وبالنظر إلى الواقع؛ نرى أن الأمة تعيش أزمات واضطهادا يقتضي منا القيام لنصرتها ميدانيا من خلال الإسهام في توعية الناس بما يحاك ضدها، واقتراح الحلول والأشكال التعبوية والنضالية لتحقيق النصرة المنشودة، ومن خلال تجديد الأداء الميداني المؤثر في مجريات الأحداث لرفع الظلم والحيف عن أمة الإسلام. وهذا المقصود بقضايا الأمة.

وعليه فإن كل ما يسوء الأمة بمختلف دلالاتها السابقة إنْ على المستوى السياسي أو الحقوقي أو الاعتداء العسكري.. هو قضية من القضايا التي يجب أن نوليها الاهتمام بما يناسب سياقاتها وبطبيعة الحال مآلاتها الاستراتيجية.

ما المكانة التي تحتلها قضايا الأمة في مشروع وبرنامج جماعة العدل والإحسان؟

مما يتوجب التنبيه إليه؛ أن جماعة العدل والإحسان اختارت أن تكون جماعة وطنية تشتغل تنظيميا وتدبيريا داخل الحدود الجغرافية لبلدنا الحبيب المغرب، لكن هذا لا يعني أننا منقطعون عن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلامها وآمالها، بل نحن نعتبر أن روحَ الدعوة وبُعدَ النصرة عالميٌ يطول كل مضطهدي الأمة أينما كانوا في أوطانهم، أغلبية أو أقلية، وذلك بناء على إيماننا الراسخ بوجوب نصرة المظلوم. وبطبيعة الحال مشروع جماعة العدل والإحسان الكبير، وبرامجها المتعددة، تجعل في صلب اشتغالاتها وانشغالاتها الإسهامَ الجادّ في كل ما من شأنه أن يرفع الظلم عن المظلومين، ويحقق النصرة للمضطهدين، ويضغط على المعتدين لكف العدوان. سواء كان ذلك بالتنسيق والتشارك مع مختلف الهيئات والمؤسسات والفعاليات المجتمعية التي ترفع لواء الدفاع عن حقوق الناس في العالم، أو بأنشطة تبادر بها مؤسسات الجماعة. كل ذلك وعينُنا على هدف واحد: أداء الواجب الشرعي والإنساني في نصرة قضايا الأمة وعدم خذلانها.

لماذا تعطون لهذه القضايا كل هذا الاعتبار؟ 

المكانة الطبيعية لهذه القضايا لدى كل فاعل مهتم بأمته، أن تحتل الصدارةَ وتؤطر فكرَه وحركته، نحن بحمد الله جزء من هذه الأمة نتداعى إذا اشتكى جزء منها بما نستطيعه من موقف.

أخي الكريم، إن الاهتمام بقضايا الأمة واجب إنساني أولا وواجب أخلاقي، ثم هو واجب شرعي، وفي الحديث الشريف من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، لذلك فلا يمكن إلا أن نعطي لهذه القضايا اعتبارا يليق بمقامها، أداء للواجب الإنساني والأخلاقي والشرعي، وتفاعلا حيا مع الأحداث التي تعصف بالمنطقة.

بعضهم يرى أن الطريقة التي تتعاطون بها مع هذه القضايا والأحداث (وقفات، بيانات، ندوات…) لا أثر لها تقريبا، أمام صراعات يتداخل فيها الإقليمي والدولي ويحضر فيها الصراع السياسي والاقتصادي والعسكري المباشر؟

قولك: لا أثر لها تقريبا، هو انطباع لا يصح. إذا كان المعيار الذي نقيس وفقه أثر حركتنا هو فقط التغيير الملموس على أرض الواقع، فإننا حينها لن نعتبر شيئا غير القوة العسكرية والاقتصادية.. حتى السياسية لن نعتبر منها إلا ما كان فعلا يسنده وجود عسكري واقتصادي، وفي هذه الحالة نكون قد أضررنا بقضايا الأمة بجعلها مجالا لتدخل الأقوياء حصرا.

نعتبر أن جميع الأشكال التي ذكرت، وغيرها، هي أدوات ذات فعالية كبرى تساهم أساسا في وحدة الأمة الشعورية وتوليد حوافز سامية للتعاطي مع قضاياها؛ تعزيز الانتماء للأمة ولقضاياها الكبرى، هذا من جهة. ثم هي أيضا ذات أثر كبير على من يوجدون في واجهة الصراعات، ولا يمكن بحال إنكار أثرها المعنوي على الأقل على نفسياتهم ومواقفهم. أضف إلى ذلك أيضا أثرها المباشر باعتبارها إحدى أدوات التأثير على القرار بالضغط والفضح الإعلامي وإلجاء كل جهة قرار إلى إعادة حساباتها وفق نبض الأمة واهتماماتها.

بطبيعة الحال ـ وهنا لا يمكن إلا أن نتفق ـ نلاحظ نوعا من الاستخفاف بمواقف الأمة العريضة من قبل الجهات السياسية، نلاحظ نمطا موحدا من سلوك هذه الجهات، علامته الكبرى معاكسة آمالها وعدم الانتباه لإشارات رفضها واحتجاجها، نلاحظ ارتماء في أحضان “أعداء” الأمة.. هذا كله لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يدفعنا إلى فقد الأمل فيما نقوم به من مواقف، بل ينبغي على العكس أن يعزز موقفنا ويقوي من رفضنا لمن لا يمتون لهذه الأمة وقضاياها بصلة.

ثمة محللون يرون أن الحركات التي تنطلق من نفس المرجعية الإسلامية (الحركات الجهادية) حضورها وتأثيرها أكبر في الساحات التي تشهد صراعات مباشرة، على خلاف منهجكم ومنهج الحركات أمثالكم المهادن والمسالم والذي لا يتعدى حدود الإدانة اللفظية؟

جماعة العدل والإحسان هي حركة دعوية تربوية تغييرية. في الجانب الدعوي هي جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة، ومنهجها في ذلك الدعوة بالأسوة وبالتي هي أحسن، من غير عنف ولا إكراه، وهي دعوة عامة للتوبة والالتزام بتعاليم الدين.

وفي المجال التربوي تتدرج الجماعة بأعضائها في إطار سلوك إيماني عملي يشمل تزكية النفس والتربية الروحية والالتزام بتعاليم الدين الحنيف، مع انخراط فاعل في المجتمع والتهمم بقضاياه وقضايا الأمة. وليس بالانزواء والعزلة عن المجتمع. والجهاد هنا يبدأ بجهاد النفس على الطاعات وضد المحرمات والمنكرات، وتدريبها على حب الخير للناس والإحسان إليهم، وجهاد الكلمة والبذل في سبيل الله وخدمة الوطن والأمة…

أما بالنسبة للتغيير؛ فالجماعة تستهدف الاهتمام بالإنسان حتى يغير ما بنفسه إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. فالجماعة لا تعمل بردود الأفعال بالنسبة للقضايا الآنية والتهور كي يقال أن لها تأثير في الساحة ولكنها تعمل بتؤدة، ولا تفوت الفرصة دون تسجيل موقفها من الأحداث بأسلوبها الهادف والخاص، وبالشكل المناسب ما أمكن وتيسر ذلك. والكل يعرف أن عملية التغيير هي عملية طويلة الأمد، وهي مستمرة ومتواصلة في الزمن، وتتطلب اليقين وطول النفس والتوكل على الله تعالى، فإنه سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو العزيز الحكيم. 

آخرون يرون أنكم تتفاعلون مع ما يحدث خارج حدود المغرب أكثر مما تتفاعلون مع ما يحدث داخله، ما صحة هذا الكلام؟

هذا القول مردود على أصحابه، لأن الجماعة بفضل الله تعالى حاضرة مع الشعب في جميع قضاياه، وأبناؤها هم من عامة الشعب ويشتغلون ويجتهدون في جميع القضايا التي تهم المس بحقوق الناس وتؤثر سلبا على حياتهم اليومية؛ من فساد وغلاء وحرمان من العيش الكريم. فكما هو الاهتمام بقضايا الأمة وعلى رأسها قضية القدس وفلسطين والمسجد الأقصى واجب، فكذلك العمل من أجل تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية للشعب المغربي واجب أيضا، وهو ما تقوم به الجماعة إلى جانب بقية الهيآت والفضلاء الذين لهم نفس الاهتمام.

تحتل القضية الفلسطينية المكانة الأبرز ضمن قضايا الأمة، وتولونها الاعتبار الأكبر في برنامج التضامن والتوعية. لماذا؟

فعلا، تعتبر القضية الفلسطينية عندنا في جماعة العدل والإحسان قضية مركزية ومصيرية، ففلسطين تضم مقدسات الأمة، ففيها المسجد الأقصى المبارك الذي يعتبر أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهو مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

دون أن ننسى أن للمغاربة حارة وأوقاف، وهي حارة المغاربة وبابها – باب المغاربة – أوقفها لهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، لجهادهم وحسن بلائهم وإسهامهم الكبير في الفتح الصلاحي لبيت المقدس، وهي مشهودة مشهورة.

بهذا الاعتبار فالقضية الفلسطينية تختزل أبعاد الصراع العقائدي والسياسي والاقتصادي والحضاري بين الأمة وأعدائها.

من أجل ذلك، نعتبر العمل لنصرة القضية، واجبا دينيا وشرعيا، وواجبا سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا. واجب تعمل له كل قيادات الأمة وهيئاتها ومؤسساتها، ويعمل له كل فضلاء العالم وأحراره في كل مكان.

من هذا المنطلق تعمل جماعة العدل والإحسان بشكل منظم، ووفق رؤية، وبناء على استراتيجيات عمل واضحة، أفردت لها مؤسسات متخصصة، تعنى بدعمها وتكريس الجهود لنصرتها، وفق منهجية علمية، واستراتيجيات عمل دقيقة، الشيء الذي انعكس على حجم التعبئة واليقظة والدعم والتضامن الذي عبر عنه الشعب المغربي في الكثير من المحطات والمواقف. 

مؤسساتنا تبذل مجهودات معتبرة لإبقاء القضية الفلسطينية حية في فكر وعقل ووجدان أبنائها ووجدان الأمة، عبر فعاليات جماهيرية مختلفة، من مسيرات ووقفات ومهرجانات وأنشطة تضامنية، ولعلنا نذكر بالمسيرات المليونية التي تصدح فيها حناجر الشعب المغربي وشهدها العالم، نصرة ودفاعا عن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وغزة العزة، ورفضا لكل المخططات الالتفافية والتطبيعية والتهويدية والتقسيمية لمقدسات الأمة، هذه المواقف التاريخية والثابتة، هي عناوين وفاء ثابتة تؤكد لكل من يهمه الأمر، بأن البوصلة كانت دائما ثابتة وموجهة نحو فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى، ولا مجال لحرفها أو إرباكها، أو ثنيها عن التحرير، حتى إعادتها إلى الأمة وإلى أصحاب الحق فيها إن شاء الله تعالى.

تتابعون مسار التطبيع الذي ينهجه النظام المغربي، ودول عربية أخرى، وهو ما يتعارض مع نهجكم في دعم قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ما خطورة التطبيع؟ وكيف يمكن مواجهته؟

إن الهرولة الرسمية لتوقيع اتفاق التطبيع مع العدو الصهيوني، ما هي إلا نكسة من نكسات الأنظمة العربية الرسمية، التي وقعت مع الصهاينة اتفاقات تطبيع واستسلام منذ عقود من الزمن، كانت نتائجها في صالح أعداء الأمة، ولم تحقق بها هذه الأنظمة أية نتائج تذكر، يمكن أن تنعكس على واقعها السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، بل كانت بمثابة طوق نجاة للصهاينة، أسهمت بفك العزلة عنهم، وأكسبتهم شرعية سياسية في المحيط الإقليمي والدولي.

فها نحن تطالعنا الدراسات والأبحاث والتقارير بالنتائج الكارثية لكل هذه الاتفاقات، سواء أكانت اتفاقية كامب ديفيد أو أوسلو أو وادي عربة، كوارث على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والجيوسياسي.

من أجل ذلك، اعتبرنا أن التطبيع مع العدو الصهيوني، هو خيانة للأمة ولقضاياها العادلة، وتفريط في مقدساتها، ومخالفة صريحة لإجماع علماء الأمة، ناهيك على أن هذا التطبيع قد يرتقي للمس بالمصالح الحيوية والسيادية لبلدنا، فحجم التطبيع وكثافة الهرولة التي نشاهدها على أكثر من صعيد، لها تأثير مباشر على المستوى الجيوسياسي، وفيها ضرب لمصالحه الاقتصادية وتهديد لنسيجه المجتمعي.

بناء على هذه الاعتبارات والمخاطر، يقع على مختلف القوى الوطنية والنخب العلمية والأكاديمية والعلمائية والاقتصادية والسياسية والنقابية والفنية والشبابية والنسائية، وكل القوى الحية، واجب مناهضة هذا التطبيع والتصدي له، بكل السبل المدنية والسلمية، حفاظا على بلدنا واستقراره ومصالحه الحيوية، وحماية لنسيجه المجتمعي وتماسكه.

ومن خلالكم، نشكر الهيئات والمؤسسات الوطنية التي لها أيادي بيضاء في التصدي لهذا التطبيع، ولمحاولات التغلغل الممنهج الذي يعيشه بلدنا ـ للأسف الشديد ـ برعاية ودعم رسميين، ضدا على إرادة السواد الأعظم للشعب المغربي، الذي له مواقف تاريخية جليلة دعما للقضية الفلسطينية ولمقدساتها، ودعما لمختلف قضايا الأمة العادلة. 

كيف تقرأون تطورات الأحداث ومساراتها في الساحة العربية والإسلامية؟ هل الأمة إلى مزيد من التفكيك أم إلى بدايات التمكين؟ 

بداية لا بد من التأكيد على منهجيتنا في مقاربة ما يقع من أحداث في الساحة العربية والإسلامية وفي باقي العالم، فنحن باعتبار خلفيتنا الإسلامية ننظر دائما إلى الأحداث بعينين، عين على الوحي وما يدبره الله سبحانه في كونه، ثم عين على مجريات الواقع؛ فالعين الأولى تسلحنا باليقين والطمأنينة والأمل الدائم، وتجنبنا اليأس والوقوع في ردود الأفعال واستعجال النتائج، في حين تزودنا العين الثانية بالخبرات والتجارب البشرية وعصارة ما وصلت إليه الحكمة البشرية. في هذا السياق نقول: إن سنن التاريخ بحسب الوحي والمبشرات النبوية تسير في اتجاه مبشر لهذه الأمة الإسلامية. 

ولو استقرأنا التاريخ لوجدنا أن الأمة الإسلامية سبق لها أن انبعثت مرارا وتكرارا من تحت الرماد، مخلدة دروسا في التحدي والتجدد واقتحام كل العقبات، فما تعيشه الأمة اليوم لن يكون أبشع مما عاشته زمن التتار والمماليك من تشتت وضعف واستباحة لكبريات الحواضر الإسلامية، ومع ذلك غالبت هذه الأمة الموت وخرجت حية، بل وحررت القدس من يد الصليبيين. هذه الدروس التاريخية المتتالية طيلة 15 قرنا تعلمنا أن ننظر بحدس كلي للتاريخ حتى لا نغرق في جزئيات الأحداث ونضيع في تفاصيلها، فبوصلتنا كانت وستبقى هي فلسطين، فما دامت المقاومة ثابتة ومستمرة ومتجددة، وما دامت الشعوب ملتفة حولها تدعمها ماديا ومعنويا، فالأمة يقظة وتنبض توقا إلى التحرر، وما بقاء هذه الروح حية في جسم الأمة رغم مرور قرن من الاحتلال وكل محاولات مسخ الهوية، إلا دليل قاطع أن صحوة الشعوب مسألة وقت فقط. 

لذلك فإن ما يقع اليوم للأمة من استبداد حكامها، واستباحة ثرواتها، وتقسيم أراضيها، وتفقير شعوبها، وتحويلها إلى ساحات معارك وسوق للأسلحة، كل هذا في نظرنا ابتلاء واختبار وتمحيص جماعي لهذه الأمة، ليميز الله الخبيث من الطيب، فتسقط أقنعة المفسدين أمام من سحروا أعينهم بالشعارات الزائفة، ويصبح مطلب الجميع إحقاق الحق وإزهاق الباطل. قد يقول قائل: وكيف سنصل إلى هذا المنعطف، وكيف سيقع هذا التحول؟ الجواب: على كل من ينشدون التغيير أن يستنفدوا كل أسباب الإعداد والتخطيط وتوحيد الجهود ورص الصفوف وزرع الأمل، وينظروا باستبشار لفعل القدر الإلهي.

عاشت الدول العربية قبل عقد من الزمن تجربة ما عرف بالربيع العربي. ما الدروس الكبرى المستفادة من هذه التجربة؟

أولا ننوه أن ثورات الربيع العربي لم تكن مفاجئة كما يصفها الإعلام الغربي وبعض السياسيين العرب، بل كانت نتيجة طبيعية لعقود من القهر والتفقير في حق شعوب المنطقة من جهة، وحصيلة منطقية لتبديد ثروات ومقدرات الأمة في مخططات ومشاريع فاشلة من جهة أخرى. لقد شكل حدث سقوط رؤساء جبابرة من سدة الحكم لحظة فارقة في التاريخ المعاصر لهذه الأمة، سيما وقد ترسخ في وعي الأكثرية أن سقوط الحاكم أمر مستحيل الوقوع، وأن الحكام مهما بلغ فسادهم هم قدر ينبغي تحمله والصبر عليه. لقد أثبتت ثورات الربيع العربي أن بضعة أيام من الاحتجاج الشعبي كانت كافية لإجبار عدد من حكام الفساد على الرحيل، لكنها في الوقت نفسه علمتنا أن رحيل الحاكم لا يعني بتاتا اجتثاث الفساد؛ إن الدرس الجوهري الذي يستفاد من تطورات العقد الأخير، أن كل دولة عربية تحكمها دولة عميقة لها تبعية مباشرة بالخارج، وهي متحكمة في كل دواليب الدولة؛ تعرف كيف تشل المجالات الحيوية وتؤزم الأوضاع، كما تعرف متى وكيف تشن ثوراتها المضادة.

على ضوء هذه المعطيات، يتوجب على كل قوى التغيير في المنطقة استيعاب أن إنجاح أي ثورة يقتضي توافقات سياسية مسبقة حول دولة المستقبل والوطن المنشود، حتى لا تتحول لحظة ما بعد الثورة إلى تنافس سياسي حول الحكم، وتسابق حول كراسي المجالس النيابية، وهيمنة على وثيقة الدستور، وهو ما فتح فجوات كبيرة لشن الثورات المضادة وزرع اليأس من التغيير. لذا نرى ضرورة التأكيد على التوافقات العلنية أمام الشعب، لأن هذا الأخير هو الفيصل، وأن الحاضنة الشعبية هي الحصن الحصين للثورة ومكتسباتها.

ماذا تقترحون كي تمضي قوى التغيير الجادة نحو تغيير حقيقي للأوضاع القائمة وتعدل الموازين لتكون في صالح شعوب المنطقة؟ 

بداية؛ ينبغي أن نتصدى جميعا لعوامل التمزيق والتفرقة بين شعوب الأمة الواحدة على أساس الأعراق واللغات والأجناس، وأن نحارب سموم الإحباط التي تبث اليأس في الأمة وتحجب عنها الأمل في كل تغيير. فرغم مرحلة الغثائية التي تعيشها الأمة من داخلها، ورغم كونها أصبحت كما مهملا مستباحا، ولقمة سائغة لأعدائها من الخارج، فإن التغيير لا محالة واقع لأنه موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا ما تم الوفاء بشروطه ومقوماته وضوابطه: فالتغيير يحتاج إلى عمل منظم وجهود مضنية، تستحضر سنة الله عز وجل في التغيير، وتراعي الضوابط المنهاجية التي سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتحقيق دولة العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

من هذا المنطلق، فإننا في جماعة العدل والإحسان نتبنى التغيير من منظور التوافق الجماعي وعدم إقصاء أي طرف، ومن ثمّ فقد اقترحنا ميثاقا جامعا بوصفه حلاّ لبناء دولة جديدة على أسس مخالفة لدولة المخزن التي تحتكر كل شيء وتتحكم في كل شيء.

وبناء على ذلك ما فتئنا نؤكد استعدادنا للحوار والتعاون والتنسيق مع كل المكونات الراغبة في التغيير، اقتناعا مبدئيا منّا بضرورة العمل الجماعي في البناء والتغيير، وليس من قبيل التكتيك أو المناورة السياسية. 

أما ما نقترحه على قوى التغيير خارج بلدنا وخاصة الحركات الإسلامية منها، فإنه يرتكز على ضرورة حضور ثلاثة أبعاد متلازمة ومتوازنة بحيث لا يطغى أحدها على الآخر: البعد التربوي الإحساني، والبعد العدلي الذي يقتضي التدافع السياسي، والبعد العلمي والفكري. ثم بعد ذلك تأتي الدعوة إلى صَوْنِ الحركات التغييرية من التدخل الأجنبي، وإلى ضرورة استيعاب الخلفيات الفكرية والمتغيرات داخل كل بلد، وإلى التمسك بالعمل المشترك والتلاقي على أرضية قوامها التعاون في المتفق عليه وإرجاء المختلف فيه والتركيز على الأولويات في كل مرحلة.