يسألونك عن التطبيع، قل: هو خيانة

Cover Image for يسألونك عن التطبيع، قل: هو خيانة
نشر بتاريخ

دون مقدمات، ودون بحث في كرونولوجيا مسار تطبيع النظام المغربي علاقاته مع دولة الاحتلال الصهيوني والتي واكبت مختلف مراحل احتلاله لفلسطين وتهجير أهاليها وتهويد مقدساتها، يبدو أن التحاق النظام المغربي بنادي المطبعين قبل سنة كان تحصيل حاصل، بل كان انتقالا من مستوى السرية إلى مستوى العلن تماشيا مع السياسة الأمريكية “الترامبية”، ليبقى التطبيع بداية ونهاية وتحت أي مسوغ خيانة وجناية.

التطبيع خيانة لله تعالى الذي أمرنا أن نُحادّ من حادّه، ونُوادّ تعاونا على البر أهل طاعته، وتقاسما للمشترك الإنساني مع أهل الفضل والمروءة من خلقه. علاقة لحيويتها اعتبرت من شروط الإيمان. يقول عز سلطانه في سورة “المجادلة”: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله.

التطبيع خيانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علّمنا بالحال قبل المقال، كيف نميز بين يهود مسالمين لا يناصبوننا العداء، لهم حق الجوار وحسن المعاملة وحفظ العرض والنفْس والممتلكات، وبين يهود حاقدين خائنين للعهود والمواثيق، متربصين بالمسلمين الدوائر: إجلاء يهود بني النضير نموذجا بعد محاولتهم اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة للهجرة.

التطبيع خيانة للأمة والتنكر لواجب النصرة والدعم، فكيف يستقيم ادعاء مناصرة القضية الفلسطينية في ظل إبرام الاتفاقيات الاستراتيجية مع دولة الاحتلال في المجال العسكري تحديدا؟ ألا تقتضي هذه الاتفاقيات العسكرية وضع الخبرة والأطر العسكرية المغربية رهن إشارة الاحتلال في عدوانه على الشعب الفلسطيني؟!

التطبيع خيانة للتاريخ، تاريخ بطولة ومنافحة على العِرض والدين، خيانةٌ وتنكرٌ لدم الشهداء المغاربة قبل غيرهم ممن سقَوْا بدمائهم أرض فلسطين. فعذرا لمواكب الشهداء الذين بذلوا المهج دفاعا عن أرض فلسطين ومقدساتها.

التطبيع خيانة للمستقبل، إذ كيف يستقيم الحديث عن مشروع عزة وتحرر الأمة، والأجيال في ظل التطبيع التربوي والثقافي يراد لها أن “تقتنع” أن الصهيونية ليست خطرا ولا إرهابا، بل هي حليف ونصير يمكن الوثوق به؟

التطبيع خيانة للوطن وخدش في “قدسية” سيادته، عندما تتم مقايضة الحقوق الوطنية والوحدة الترابية على الأقاليم الصحراوية بمهادنة عدو غاصب محتل للأرض. فمتى كان الغاصب للأرض ضامنا لتحرير أرض غيره؟ إنه الإفلاس الأخلاقي.

التطبيع خيانة لهوية الشعب وتمكين للغزاة الصهاينة للتغلغل في النسيج الاجتماعي والثقافي والقيمي، فتنشأ أجيال باسم التسامح المفترى عليه منسلخةً عن هويتها، فاقدة للبوصلة، مجردة من أية قيمة. فهل -والحال هذه- يمكن التعويل على أجيال بهذا المسخ الهوياتي في بناء صرح وطن ذي سيادة؟

التطبيع خيانة للأمانة وتمكين أعداء الأمة من وضع اليد على مقدرات البلد وثرواته وتكريس التبعية ورهن القرار السياسي وهدر فرص توطين التنمية وضرب الاقتصاد الوطني وتحويل البلد إلى سوق السلع الأجنبية، وبالتالي تهديد الاستقرار والسلم الاجتماعي.

التطبيع انتحار سياسي وارتماء حر نحو المجهول ومحاولة للاستقواء بالقوى المستكبرة -وبئس الاستقواء- تسولا لدعم سياسي مدفوع الأجر، وصرفا للنظر عن الانتهاكات الممنهجة لحقوق الناس، وتجاهلا للمطالب المجتمعية بإصلاح سياسي حقيقي وحكامة راشدة وتوزيع عادل للثروات وفرص التنمية.

لهذه الأسباب وغيرها، يتجدد الرفض الشعبي لاتفاق الخزي ويتنامى منسوبه؛ اتفاق لا مسوغ له، وسيبقى وصمة عار في جبين الموقعين عليه والداعمين في خفاء أو علن له. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. صدق الله العظيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.