يا ذا الجلال والإكرام

(أَلِظُّوا بياذا الجلالِ والإكرامِ) (1).. هكذا أوصى الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه كل مؤمن واقف بباب العبودية يستمطر الرحمات؛ ينقب عن مفاتيح الاستجابة وهو يعلم علم اليقين أن خزائن الله لا تنفد.
"أَلِظُّوا" قِسْ عليه (ألِحُّوا)، والمعنى إكثارٌ حد الإلحاح، حتى تأخذ بغيتك من الله عز وجل؛ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ (2).
"أَلِظُّوا"؛ داوموا والزموا فـ(من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له) (3).
ذو الجلال والإكرام
تأمل معي كيف يتقلب العبد بين الجلال والجمال.. جلال يتغشاك عندما تكتشف أنك ضعيف، لاشيءَ تستطيعه أمام قدرته، لا حول ولا قوة لك إلا به.. مضمحل أمام قهره، السماوات مطويات بيمينه، الأرض خاشعة لجبروته..
ألم تر أن الجبل لما تجلى له ربه صار دكا فخر له سيدنا موسى صعقا من هول ما رأى.. سيدنا موسى عليه السلام يشهد جلال الله مرة أخرى وهو يقتحم البحر بعصاه.. مشهد عظيم تقشعر له الأبدان أن تجد نفسك وسط البحر بكل عنفوانه وهو الغضوب الغيور على جلال الله، وبعدها وبمقدار ما يأتيك اليقين تتجلى عليك إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (4).
ينجو سيدنا موسى وقومه، وقد كانوا قاب قوسين أو أدنى من بطش فرعون، ويغرق من تجبر ونازع الله في ملكه..
يتدخل الله بسر "كن فيكون" عندما نستنفذ الوسع والجهد، ونعدم الحيلة، ونلوذ بحمى ذي الجلال والإكرام..
إكرام لأنه لا شيء نملكه سوى كرم الله..
لا شيء ننتظره سوى رحمته..
لا معول عليه سوى أنه يحب عباده، ويتودد إليهم، ويبسط لهم بساط التوبة حتى يعودوا إليه حبا واحتماء..
إنه الله؛ رب الكون.. ذو الجلال والإكرام..
جلال وجمال؛ يتغشاك بجلاله لتخشع، ويكسوك بجماله لتطمئن..
هكذا هم عباده، يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حتى يوافق مرادهم مراد الله، ويتنعمون بين جلاله وجماله، يعبدونه خوفا وطمعا، ويشتاقون إليه بقدر ما يخفى في أستار الليل ويظهر في سبحات الكون.
يا الله يا ذا الجلال والإكرام.
(1) الراوي: أنس بن مالك وربيعة بن عامر | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الجامع | الرقم: 1250 | خلاصة حكم المحدث: صحيح.
(2) سورة الكهف، من الآية 60.
(3) أخرجه ابن أبى شيبه في مصنفه من قول أبي الدرداء: "جدوا في الدعاء فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له". وأخرجه البيهقي أيضا من قول أبي الدرداء بلفظ: "وأكثروا من الدعاء...".
(4) سورة الأعراف، من الآية 56.







