وقل اعملوا...

بعد سنة كاملة من الانتظار خرج العمال في عيدهم الذي يبثون خلاله شكواهم وهمومهم، ويطالبون بحقوقهم المنتهكة. حقا إن العمال في العالم عموما وفي العالم العربي على وجه أخص يعانون من مشاكل لا حد لها ولانهاية. لكن هل ھﺫه المشاكل تعد مبررا للتقصير في العمل؟ أو أن الإخلال بالواجبات وسيلة للانتقام من أرباب العمل؟.
لا تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون
إن المتأمل لحال الدول العربية، يبدو له جليا الانتهاك الصارخ للواجبات، والهشاشة التي أصبحت تعاني منها مؤسساتنا العمومية، فأنت إن ولجت مستشفى عاما احتضنتك اللامبالاة والإهمال. وإن طرقت باب إدارة عمومية لا تكاد تجد من يقدم لك خدمتك في الوقت المطلوب. أما إن وضعت فلذات أكبادك أمانة في يد أطر المدارس العمومية؛ فإنهم لن يحظوا بالعناية اللازمة. ھﺫا ونحن أمة مسلمة تعي قيمة العمل في حياة الإنسانية، ومكانته عند الله تعالى، ووظيفته في بناء الحضارات. وقد صدق من قال أن حضارة الأمم تقاس بزيارة مؤسساتها العمومية، وخاصة المستشفيات.
إن التقصير الذي يعمد إليه البعض بدعوى سوء وضعية العمل، لا يعود وباله على الفئة التي تتماطل بالحقوق،
وتضيق الخناق على العمال والموظفين، بل يصيب جميع الشرائح، فيتعرض المجتمع كله للخراب والدمار.
ومن ثم ينبغي على كل مواطن غيور على ھذا البلد الكريم أن يتقن عمله حتى ولو لم تتحقق مكاسبه. ليعمل لوجه الله تعالى، وللنهوض بوطنه الحبيب. وإن كل من يتلو القرآن الكريم ويستشعر معانيه ليدرك المكانة السامية التي أعطاها الله للعمل، حتى أنه سبحانه وتعالى جعل نفسه العلية أول من يطلع على عمل المرء ويراقبه.
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون
شرف ما بعده شرف ومكانة مرموقة لا تعلوها مكانة أن يكون رب العزة هو أول من يرى ما تقدم يدي من عمل، وكم يحزنني أن أقدم عملا لا يليق بجلال الله وجماله،أو أجعل الله أهون الناظرين إلي، فأتقي مراقبة لجنة التفتيش أو المدير أو المسؤول، فأتقن عملي أمامهم وأخلص فيه، وأهمل واجباتي كلما خلوت بنفسي.
إن العقد الذي أبرمه مع مشغلي يحتم علي الإخلاص في العمل، حتى ولو كان مشغلي يهوديا، لأن العمل في حد ذاته عبادة حث عليها المولى الكريم، وزينها لنا في كتابه العظيم. فما من حرفة حرفة الا وذكرت في القرآن، فقد أشار إلى صناعة الحديد بقوله عز وجل«وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.»الحديد׃24 وقوله جل شأنه« وألنا له الحديد»سبأ׃10 وذكر تعالى الفلاحة في قوله «أفرأيتم ما تحرثون.»الواقعة:63 والنسيج في قوله تعالى «وأصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين» النحل:80 وقوله تعالى«كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا» النحل:92 وقوله سبحانه وتعالى«كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون»العنكبوت:41. كما تطرق للنحت في قوله تعالى« وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين»الشعراء: 149 والى صناعة السفن في قوله«واصنع الفلك بأعيننا ووحينا» هود37، والى الصياغة في قوله«واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار»، وإلى البناء بقوله تعالى«والسماء وما بناها» الشمس:5 وإلى الخياطة بقوله تعالى«وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة»الأعراف:22، وذكر جل شأنه حتى الطبخ في قوله عز وجل«جاء بعجل سمين» الداريات:26 وقوله تعالى«أحمل فوق رأسي خبزا»يوسف:36.
وإن كانت ھﺫه الآيات لها معناها الخاص أو سبب نزولها، فإنها تشير من طرف خفي إلى الصناعات التي يمتهنها الإنسان على وجه الأرض، وفي ذلك تكريم وتشريف له. وقد أكد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ھذا التشريف بقوله صلى الله عليه وسلم«من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له» ولا يكل ويتعب الإنسان من عمله إلا إذا أخلص وتفانى فيه، ولنا في رسل الله أسوة حسنة فقد كانت لهم حرف وصناعات يتقنونها، فقد كان سيدنا آدم عليه السلام يعمل في الزراعة، وسيدنا داوود عليه السلام في الحدادة، وسيدنا نوح عليه السلام في النجارة، وموسى عليه السلام في الكتابة ومحمد صلى الله عليه وسلم في الرعي والتجارة. وما حظي نبينا الكريم بمكانة عالية وسط قومه إلا من خلال إتقانه وأمانته في التجارة حتى لقب بالأمين.
جعلني الله وإياكم أحبتي من المخلصين الساعين بكل إتقان إلى الإصلاح، والعمل البناء الذي ينهض بأمتنا ويجعلها من أرقى الأمم آمين آمين والحمد لله رب العالمين.





