“وجُعِلت قرةُ عيني في الصلاة”

Cover Image for “وجُعِلت قرةُ عيني في الصلاة”
نشر بتاريخ

من منا لم يأسره ذاك الوصال في لحظات التجلي الأعظم؛ لحظة الوقوف في محراب المناجاة والدعاء، لتشهد على خفقات قلبك وهي تطير من شدة الفرح أن ها قد حان موعد لا كالمواعيد، موعد رائع في كل تفاصيله، موعد إن أحسنت له الاستعداد وصلك من المولى الكريم جميل الإمداد.

“الله أكبر”..

الشوق يغالب قلبك المحب، والدموع المنسكبة على خدك تنادي بانكسار وتذلل، رباه أنت أكبر، أنت أعلى، ليس كمثلك شيء.

الله أكبر من همي ومن ألمي.

الله أكبر من وجعي ومن سقمي.

الله أكبر من نعيم عنه يشغلني، ومن أنس بالناس يقيدني.

الله أكبر من كل لحظة تتوه فيها أفكاري وتضيع فيها أسراري.

الله أكبر من عالم فنائي. وبسم الله أدخل إلى حيث يحلو اللقاء ويدوم البقاء.

تستفتح راجيا أن يكون بينك وبين هواك بقدر ما بين مشارق الأرض ومغاربها، فصراط السر أدق من خيال يرتسم في ذهنك، وبرد يقين يلهمك أن الصلاة مطهرة لروحك مغسلة لأدران قلبك.

تستفتح بأم الكتاب ليفتح لك، وتحمد ربك ممجدا إياه بأسرار ربوبيته، وتستعطف جماله بتجلي رحمته، وتهاب جلاله بإقرار ملكه.

تبث بين يديه عبوديتك، وتسأل حاجتك وقد تجردت من كل حول وقوة إياك نعبد وإياك نستعين. لا معبود سواه تهفو إليه القلوب، لا إله غيره تخضع له كل ذرات الكون وتعظمه. تسأله الهداية وقد ضاعت منك مفاتيحها عندما تعلقت بالسراب.

صراط مستقيم؛ هو صراط معية مع من يدلك على الله حاله قبل مقاله، تعلي همتك لتكون مع أحباب الله وصفوة خلقه من أنبيائه ومن ورثهم من أوليائه، تعلق روحك بأرواحهم، فرب معرفة في الدنيا هي بركة في الآخرة.

تقرأ ما شاء الله أن تقرأ ولسان حالك المناجاة، ثم تركع ركوع الذليل الخاضع لجلاله سبحانه. وترمي بين عينيك كل ذاك الكبرياء الذي أسكنته في غياهب نفسك حتى لا تنازع الله في ردائه “سبحان ربي العظيم”.

قائم أنت في المحراب، تؤدي حق شكر المولى على عظيم نعمه وقد أوقفك بين يديه، يسمع خفاياك وهي تلهج بالحمد.

“ربنا ولك الحمد” مهما اشتد  بنا الوجع.

“ربنا ولك الحمد” تحت أستار الليل وبوح النهار.

“ربنا ولك الحمد” مع تفاصيل الإشراق.

“ربنا ولك الحمد” حين تنبعث فينا آهات قيدها الأنين وقد اشتد بالقلب نوى البعد.

ويأتيك الإذن بالدخول في الرحاب، فإن علمته فاسجد واقترب، واسكب الدمع مدرارا، وقد سجدت بين يدي رب لا تعلو عليه انكساراتك، اسأله أن يجبر منك ما ضاع منك، واطلبه هو، تجده قريبا يتودد إليك، يرحم ضعفك ويرفع عنك كل قهر مس روحك بسر عنايته الربانية. اغتنم ساعة بسطه واطلب منه معالي الأمور فالله لا يتعاظمه شيء.

واجلس بين يديه متأدبا مؤديا حق السلام، وتمثل لقاءً كان في رحلة المعراج، هناك، بين الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وبين ربه يحمده بأفضل المحامد و يدعوه بأكرم الأدعية، تحية نبي حبيب؛ تأدب في حضرة جلال الله “التحيات لله، الزكيات لله، الطيبات الصلوات لله”، وللأدب أسرار يلقنها المحب ليخاطب محبوبه.

وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان “السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته”؛ جلال موقف وجمال، وكمال في الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه يسلم على عباد الله الصالحين.

موقف يرغمك على التريث في السلام وأنت بين يدي ربك السلام.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.