عشرة أيام انقضت سريعا، لكنها تركت في القلب من الأثر ما تعجز الكلمات عن وصفه.
عشرة أيام من رباط تربوي إيماني من الرباطات الصيفية التي تنظمها جماعة العدل والإحسان.
عشرة أيام انفتحت فيها القلوب على مولاها؛ توبة، واستغفارا، وإنابة، ورجاء. أيام يخلو فيها المرء بنفسه، يحاورها ويحاسبها، يفتش عن مواطن النور فيها ليزكيها، وعن مواطن الضعف ليقوّمها، ويخرج منها بعهد جديد مع الله، وبعزمات تعينه على مواصلة السير إليه.
وكانت صحبة مباركة مع ثلة من الأحبة، جمعنا الله على محبته، وتعاونّا على ذكره تلبية لتوجيه رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم في قوله الشريف: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حِلَقُ الذكر».
عشرة أيام من تلاوة كتاب الله عز وجل وتدارسه، وتذاكر العلم، وتبادل الخبرات، وتقاسم الفوائد، فكانت الأرواح تتلاقى قبل الأبدان، وكانت القلوب تتقوى بالله، وتتعهد الإيمان الذي يخبو إن لم يجد من يحييه.
وانتهى الرباط… لكنه في الحقيقة لم ينتهِ. فما قيمة أيام يشرق فيها القلب إن لم تمتد أنوارها إلى ما بعدها؟ وما جدوى خلوة مع الله إن لم تثمر حضورا معه في تفاصيل الحياة؟ إن الرباط الحقيقي هو أن نحمل معنا صفاء تلك الأيام إلى بيوتنا، وأعمالنا، وعلاقاتنا، ودعوتنا، وأن نظل مرابطين على باب الله حتى نلقاه.
ولعل من أجلِّ ما يميز مشروع جماعة العدل والإحسان أنه جعل هذه الرباطات الإيمانية عمادا من أعمدة التربية باعتبارها من أنجع الوسائل المجربة لتجديد الإيمان، وتزكية النفوس، وتقوية الصلة بالله، وإحياء معاني الصحبة والذكر والمجاهدة. وهي ليست ممارسة مبتدعة ولا تقليدا مستحدثا، وإنما هي اجتهاد في إحياء معان راسخة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واستلهام لطريق التربية الذي صنع الله به خير أمة أخرجت للناس.
فالقرآن يدعو إلى الرباط: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، ويأمر بالإكثار من ذكر الله، وبصحبة الصادقين، وبالتواصي بالحق والصبر. والسنة النبوية زاخرة بمجالس الذكر، والخلوات التعبدية، والاعتكاف، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، ومدارسة العلم، وكلها تصب في صناعة القلب المؤمن الذي يحمل أعباء الرسالة.
ومن هنا، فإن الجماعة لا تحتكر هذه المعاني لنفسها، ولا تعتبرها خصوصية تنظيمية، بل تحملها أمانة إلى الأمة كلها، إيمانا بأن حاجتنا اليوم إلى تجديد الإيمان لا تقل عن حاجتنا إلى تجديد الفكر والعمل. فالرباطات ليست لأعضاء الجماعة وحدهم، وإنما هي دعوة مفتوحة لكل من يشتاق إلى لحظات صفاء مع الله، ولكل من أثقلته هموم الدنيا، ويريد أن يستعيد سكينة قلبه، ويجدد عهده مع ربه، ويجد في صحبة المؤمنين ما يعينه على الثبات.
ومن ذاق هذه المجالس علم أنها ليست انسحابا من الواقع، وإنما عودة إلى المنبع الذي يمنح القدرة على تغييره. وليست هروبا من مسؤوليات الحياة، وإنما تزود لها. فالقلب إذا عمر بذكر الله، استقام العمل، وإذا صلحت الصلة بالله، هانت مشاق الطريق.
اللهم كما مننت علينا بهذه الأيام المباركة، فلا تجعلها موسما ينتهي بانتهاء وقته، ولكن اجعلها بداية عمر جديد معك، وثبّت في قلوبنا ما غرسته فيها من أنس، وأدم علينا نعمة الصحبة فيك، واجعلنا من الذين إذا خلوا بك عرفوك، وإذا خالطوا الناس دلّوا عليك، حتى نلقاك وأنت راض عنا.