وإن له لحلاوة… (1)

Cover Image for وإن له لحلاوة… (1)
نشر بتاريخ

نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين عجز الفصحاء عن معارضته وعن الإتيان بسورة من مثله رغم بلاغتهم وفصاحتهم، وقد ذكر العلماء وجوها عديدة من دلائل إعجازه، منها: “أسلوبه، وبلاغته وبيانه وفصاحته وحسن تأليفه وإخباره عن المغيبات والروعة في قلوب السامعين وغير ذلك” 1، وإن اختلفوا في بعض في وجوهه إلا أنهم لم يختلفوا في إعجازه البلاغي الذي يعد أبرزها وأظهرها لأنه جاء مطابقا لأحوال العرب زمن نزول القرآن.

لقد تلقى العرب  القرآن الكريم،  وهم أصحاب سليقة لغوية سليمة لم تشُبها عجمة، فتذوقوا جماله وأحسوا تأثيره على قلوبهم وسحرهم بيانه، فآمن به من آمن، وبقي الكافر على كفره وعناده وشنها حربا ضده رغم اعترافه أنه كلام لا يشبه كلام بشر، حتى قال الوليد بن المغيرة متأثرا بجماله وروعته وهو من أرباب الفصاحة “والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر عندما تلا عليه النبي -صلى الله قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [النحل: 90]” 2.

حاول العلماء والمفسرون الوقوف عند مواطن البلاغة في آي الكتاب وإبراز وجه الحسن فيها من حيث اللفظ والمعنى ومن حيث نظمها، وذلك حسب القدرة البشرية، فاستخرجوا بعض ما فيها من أسرار ولطائف.

سنحاول في هذه السلسلة “وإن له لحلاوة” أن نغوص في أمهات التفاسير واستخراج ما فيها من لآلئ بيانية ليتذوق القارئ بعض أسرار القرآن وفهم شيئا من معانيه، فعجائبه لا تنقضي ولا يحيط بجميع أسراره أحد مهما أوتي من علم وحكمة، وسبحان القائل: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ [الكهف: 108].

ونفتتح بفاتحة الكتاب، وأم القرآن التي اعتبرها العلماء براعة استهلال للقرآن وعنوانا لمواضيعه؛ فقد اشتملت على التوحيد والثناء على الله، وتقرير ربوبيته وتخصيصه بالعبادة والاستعانة به، وتضمنت الإشارة إلى اليوم الآخر، وإلى حال الأمم بين مهتدين ومغضوب عليهم وضالين.

نقف عند قوله تعالى: “الرحمن الرحيم”، فهما اسمان من أسمائه الحسنى ومشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، وتساءل المفسرون عن سر اختيار هذين الاسمين دون باقي الأسماء؟ وعن سر تكريرهما وهما يؤديان نفس معنى الرحمة وعن سبب تقديم الرحمن على الرحيم؟

إن قوله تعالى: (ملك/ مالك يوم الدين) إشارة إلى يوم الجزاء، عقابا أ وثوابا، “وفى ذكره يحصل للمؤمن مالا مزيد عليه: من الرعب والخشية، والخوف، والهيبة. قدم عليه ذكر الرحمن الرحيم تطمينا له، وتأمينا، وتطبيبا لقلبه، وتسكينا، وإشعارا بأن الرحمة سابقة غالبة، فلا ييأس ولا يأسى فإن ذلك اليوم -وإن كان عظيما عسيرا- فإنما عسره وشدته على الكافرين؛ وأما المؤمن فبين صفتى الرحمن الرحيم من الآمنين” 3.

أما من يظن أن هناك تكرير فيجيبه الطبري: “ليس الأمر في ذلك على ما ظننت، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنه” 4 ثم يمضي في شرح الفروق الدلالية بين اللفظين، وبيان حكمة التنزيل في استعمالهما معا فيقول: “المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن، دون الذي في تسميته بالرحيم: هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال… في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة، أو فيهما جميعا؛ ففي الدنيا خص المؤمنين بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته، والإيمان به وبرسله، واتباع أمره واجتناب معاصيه وأعد لهم في آجل الآخرة في جناته النعيم المقيم والفوز المبين، دون من أشرك وكفر، مع ما قد عمهم به والكفار في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم، بسائر النعم التي لا تحصى، فربنا جل ثناؤه رحمن جميع خلقه في الدنيا والآخرة، ورحيم المؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة” 5.

ففائدة الجمع بين الصفتين – أعني (الرحمن الرحيم) – وإن كانتا جميعا من الرحمة، الإخبار عن رحمة عاجلة، ورحمة آجلة، أو عن رحمة عامة وأخرى خاصة. أما ابن القيم فقد اعتبر الرحمن من صفاته سبحانه وتعالى والرحيم من أفعاله؛ أي “أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل؛ فالأول دال أن الرحمة صفته والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: {وكان بالمؤمنين رحيما} {إنه بهم رؤوف رحيم} ولم يجيء قط رحمن بهم فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته. وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها” 6.

والجمع بين الصفتين يُنبئ عن استغراق كل معاني الرحمة وحالاتها، ووحده سبحانه المختص باجتماع الصفتين كما أنه المتفرد بصفة الرحمن،”فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم، ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن. ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان..” 7،  وتقدم ذكر الرحمن لأنه أخص وأعرف من الرحيم، كما أن “الصيغة الدالة على الاتصاف الذاتي أولى بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلقاتها” 8.

واختلف العلماء في أي اللفظين أبلغ، وقد ذكر السمين الحلبي أقوالهم وأدلتهم، وذهب إلى أن “جهة المبالغة فيهما مختلفة، فمبالغة “فعلان “من حيث الامتلاء والغلبة، ومبالغة “فعيل” من حيث التكرار والوقوع بمحال الرحمة” 9، واستشهد بقول اللغوي أبي أبو عبيدة: الذي ذكر فيه أن “بناء فعلان ليس كبناء فعيل، فإن بناء فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو: رجل غضبان للممتلئ غضبا، وفعيل يكون بمعنى الفاعل والمفعول” 10.

إن اختيار اسمي الجلالة؛ “الرحمن والرحيم” الدالان على المبالغة في الرحمة يؤكد حقيقة العلاقة بين الله والعباد القائمة على الرحمة والرعاية التي غمرت الخلق عموما، والإنسان خصوصا فالكون كله مسخر له ومن تمام إنعامه عليه أن بعث رسلا وأنزل كتبا ليهتدي إلى الصراط المستقيم ويستقيم عليه، والرحمة الكبرى والمنة العظمى سيدنا محمد رسول الله، جاء رحمة للعالمين يتلو قرآنا فيه “هدى ورحمة لقوم يومنون”.


[1] حاشية مقدمة التفسير، عبد الرحمن القحطاني الحنبلي، ص: 90-91.
[2] الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، ص: 220.
[3] بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروزآبادى، 1/ 130.
[4] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، 1/ 126.
[5] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، 1/ 128 (بتصرف).
[6] بدائع الفوائد، ابن القيم، 1/24.
[7] في ظلال القرآن، سيد قطب، 1/22.
[8] التحرير والتنوير، ابن عاشور، 1/172.
[9] الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، السمين الحلبي، 1/33.
[10] نفسه، 1/33.