‘وإنك لعلى خلق عظيم’

Cover Image for ‘وإنك لعلى خلق عظيم’
نشر بتاريخ
محمد ديرا
محمد ديرا

أستأذن الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم في كتابة هذه السطور، هدية مني إليه بمناسبة مولده الشريف عليه الصلاة والسلام.. أستأذنه لأكتب هذه الكلمات في الوقت الذي يساء فيه إليه عليه الصلاة والسلام باسم حرية الرأي والتعبير! زعموا. إنها سخافة الرأي والتعبير، وهناك فرق كبير بين الحرية التي يجب صونها والدفاع عنها وحمايتها لأنها مطلب إسلامي أصيل وبين السخافة التي يجب محاربتها والوقوف ضدها بكل الأساليب والوسائل المشروعة لأنها خسة ووقاحة وخلق ذميم.. أستأذن الحبيب صلى الله عليه وسلم لأُذَكِر بقبسات من أنوار خُلقه العظيم صلى الله عليه وسلم لتكون نبراسا يضيء لنا الطريق فنقتفي أثره ونسير على هديه.

لقد جمع الله سبحانه وتعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم صفات الجمال والكمال البشري، واتسمت روحه الطاهرة بعظيم الشمائل والخصال، وكريم الصفات والأفعال حتى أبهرت سيرته القريب والبعيد وتملكت هيبته العدو والصديق، وقد صور لنا ذلك الصحابي الجليل حسان بن ثابت أبلغ تصوير فقال:وأجمل منك لم تر قط عيني *** وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرئا من كـل عيب *** كأنك قد خلقت كما تشاء
لقد بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وقدوة للأخيار والصالحين، فاطمأنت به القلوب وانشرحت به الصدور، بعثه الله تعالى ليتمم من الأخلاق مكارمها فكان عليه الصلاة والسلام إمامها وهاديها حتى أقسم له ربه من فوق سبع سماوات أنه قد حاز أفضلها وأشرفها، يقول تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان أكمل الناس أدبا مع الله وأشدهم خشية لله، قال صلى الله عليه وسلم: “إني لأخشاكم لله وأتقاكم له”.

قام الليل حتى تورمت قدماه من القيام وصام النهار فما مل ولا سئم بل واصل الصيام، كمل أدبه مع الله عز وجل فزينه بأفضل الشمائل والخصال فكان إماما في الأخلاق، قال عنه أنس رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا”، وقالت عنه صفية بنت حيي: “ما رأيت أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان دائم البشر طليق الوجه بالسرور، قال جرير بن عبد الله: “ما لقيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي”.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان إمام الرحماء يرق للضعيف ويحن على المسكين ويعطف على الخلق أجمعين، يرحم الصغير والكبير والقريب والبعيد والمسلم وغير المسلم، جاءه أعرابي فرآه يقبل حفيده الحسن بن علي رضي الله عنه، فتعجب الأعرابي وقال: “تقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم” فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: “نزع الله من قلبك الرحمة”.

دخل أعرابي المسجد والرسول صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه فرفع ثوبه لكي يبول فقام إليه الصحابة مسرعين لينهروه، فمنعهم الرؤوف الرحيم عليه الصلاة والسلام شفقة ورحمة وتركه حتى أتم بوله، ثم دعاه إليه فوجهه وعلمه وأرشده حتى قال الأعرابي من شدة تأثره لفعل النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا).

كان يجلس صبي بين يديه الشريفتين عليه الصلاة والسلام فبال عليه، فقامت إليه أمه مسرعة لتأخذه، فمنعها الرحمة المهداة حتى لا تخيف الطفل، وتركه عليه الصلاة والسلام حتى أتم بوله وذهب بعد ذلك ليغير ملابسه.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان جوادا كريما، كان أجود بالخير من الريح المرسلة، قال جابر بن عبد الله: “ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: لا”، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة”.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان رحيما حتى في إمامته وصلاته، كان يدخل إلى الصلاة يريد أن يطيلها فإذا سمع بكاء طفل أشفق على أمه فخففها وكان يقول: “إذا أم أحدكم بالناس فليخفف، فإن وراءه الضعيف والسقيم والشيخ والكبير وذا الحاجة…”.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان رحيما في دعوته، رحيما في توجيهه وإرشاده ونصحه، ما كان يجرح الناس ولا يعنفهم ولا يكسر خواطرهم ولا يشهر بهم، بل كان يقول: “ما بال أقوام”، وكان يعلم بألطف عبارة وأحسن إشارة، جاءه شاب وطلب منه أن يأذن له بالزنى فقام إليه الناس وزجروه، فقال له عليه الصلاة والسلام أتحبه لأمك.. أتحبه لابنتك .. أتحبه لأختك.. فقال الشاب: لا، وبعد ذلك وضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتى يقضي له حاجته، ويأتيه الصغير فيأخذ بيده يريد أن يحدثه في أمر فيذهب معه حيث شاء.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان متواضعا، لو دخل عليه الغريب لا يستطيع أن يعرفه من فرط تواضعه، وكان السائل يقول: أيكم محمد؟ ما كان جبارا ولا فظا ولا سخابا ولا لعانا ولكن كان رحمة للعالمين، دخل في فتح مكة إلى الحرم خاشعا مستكينا، ذقنه يكاد يمس ظهر راحلته من الذلة لله تعالى والشكر له.. لم يدخل متكبرا، متجبرا، مفتخرا، شامتا. وقف أمامه رجل وهو يطوف بالبيت، فأخذته رعدة، وهو يظنه كملك من الملوك، فقال له الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام: “هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة”.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان يفرح لفرح الأطفال، ويبتسم لابتسامتهم، في الخبر: أنه صلى إماماً بجماعة من أصحابه فأطال السجود حتى ظن الناس به شيئاً، فلما انصرف من صلاته قال: “لقد أطلتُ سجودي حتى ظننتم، وإن ولدي هذا ارتحلني، فكرهت أن أهيجه” وفي خبر آخر: أنه كان يلاعب الحسن والحسين حتى يرتحلا ظهره فيقول: “نعم الجمل جملكما ونعم الراكب أنتما!!”، ولم يجد غضاضة في نفسه أن نزل يوما من منبره وقد رأى ولده يعثر في المسجد فحمله وصعد به المنبر واستأنف خطبته، وقد حملت لنا كتب السنة كثيرا من أدبه مع الأطفال، وقد كان يرعاهم بنظره ودفئه وحنانه ورحمته.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان يدخل إلى بيته، كان خير الأزواج وأفضلهم، ما عاب طعاما وضع بين يديه، ولا سب امرأة ولاشتمها ولا ضربها ولا أهانها، كان يساعدهم في أمورهم ويقضي حوائجهم، كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويكنس بيته، ويحلب شاته، كان حليما رحيما، لا يؤذي ولا يعنف ولا يجرح أحدا.

كان خلقه صلى الله عليه وسلم عظيما حينما كان يجالس الفقراء، ويجلس حيث انتهى به المجلس، كان أشد حياء من العذراء في خدرها، يحلم على الجاهل ويصبر على الأذى، يبتسم في وجه محدثه ويأخذ بيده ولا ينزعها قبله، يُقبل على من يحدثه حتى يظن أنه أحب الناس إليه، يؤْثِر أصحابه بالطعام، يكره التّزلّف والمديح والتّملّق، يحنو على المسكين، يقف مع المظلوم، يزور الأرملة، يعود المريض، يشيّع الجنازة، يمسح رأس اليتيم، يشفق على المرأة، يقري الضيف، يُطعم الجائع، يمازح الأطفال، يرحم الحيوان. قال له أصحابه: ألا تقتل الشرير الفاجر رأس المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول؟ فقال: “لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه”.

صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله وصدق الله العظيم القائل: وإنك لعلى خلق عظيم.

… أما بعد!

من يقرأ كل هذه الأخلاق ولا تسيل دموعه، من يقرأ كل هذه الخصال ولا يهتز كيانه، من يقرأ كل هذه الصفات ولا يرق قلبه، من يقرأ كل هذه الأفعال ولا يلتاع فؤاده؟ من يملك عواطفه وأحاسيسه ومشاعره أمام نبله وكرمه وشهامته وتواضعه ورحمته ورقته وحنانه…؟ من منا يطالع سيرته وأخلاقه ثم لا ينفجر باكيا ويقول: ما أعظمك يا سيدي يا رسول الله؟.

فما أجمل أن نحيي هذه السيرة العطرة وأن نتخلق بهذه الأخلاق العظيمة فأولى الناس به صلى الله عليه وسلم أحفظهم لحقها وأدومهم للعمل بها، سئل عليه الصلاة والسلام عن أقرب الناس منه مجلسا يوم القيامة فقال: “أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويألفون”.

وسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة يوم القيامة فقال: “تقوى الله وحسن الخلق”، وسئل عن أعظم شيء وأثقل شيء في الميزان فقال: “تقوى الله وحسن الخلق” ولا يزال الإنسان حسَن الخلق حتى يجعله الله طيب الذكر في الأرض والسماء.

فاللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المومنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك، عدد ما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين… اللهم آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد.