في زمنٍ تتكاثر فيه الشكوى، وتتسارع فيه المقارنات، وتضيق فيه النفوس بما أُوتيت قبل أن ترى ما فُقد، يأتي النداء القرآني ليوقظ الحسّ الغافل، ويعيد ترتيب زاوية النظر.
النعمة حين تُنسى تتحول إلى عادة، وحين تُعتاد تُفقد قيمتها الشعورية. الصحة، الأمان، الأسرة، القدرة على السجود، لحظة صفاء في جوف الليل… كلها نِعَم لا يلتفت إليها الإنسان إلا حين يفقدها.
وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة إدراك النعمة قبل زوالها بقوله: “اغتنم خمسًا قبل خمس…” 1 وذكر منها: “حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك”.
فوعي النعمة شكرٌ سابق، وغفلتها مقدمة لفقدها.
التحدث بالنعمة بين الشكر والتواضع
التحدث بالنعمة ليس حديثَ غرور، بل حديثَ شكر، هو أن تقول: “رزقني الله” لا “أنا صنعت”. هو أن تُرجع الفضل إلى أهله، وأن ترى نفسك عبدًا مُنعمًا لا مالكًا مستقلًا. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“إن النعمة إذا شكرت قرّت، وإذا كُفرت فرّت.” وقال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ ليَرضى مِن العبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها” 2.
فالتحدث بالنعمة ليس استعراضًا، بل إرجاعًا للفضل إلى المُنعِم، وتربيةً للنفس على التواضع.
رمضان وتجديد الحسّ الامتناني
رمضان ليس شهر الحرمان، بل شهر اكتشاف الامتنان. فيه يتعلم المؤمن أن لقمة الخبز نعمة، وجرعة الماء نعمة، وركعتا التراويح نعمة، ودمعة في الدعاء نعمة.
وكان من دعاء النبي ﷺ: “اللهم ما أصبح بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر” 3.
هذا الدعاء يرسّخ في القلب نسبة النِّعَم إلى الله صباحًا ومساءً، فيتحول الذكر إلى وعي، والوعي إلى محبة.
وقال الحسن البصري رحمه الله: “أكثروا من ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر”.
من الامتنان إلى الإحسان في السلوك
الشكر الحقيقي لا يقف عند حدود الكلمات، بل يتحول إلى سلوك. من شكر نعمة المال أن يُنفق، ومن شكر نعمة العلم أن يُعلّم، ومن شكر نعمة الوقت أن يُحسن استثماره..
قال سفيان الثوري رحمه الله: “ليس الشكر أن تقول بلسانك الحمد لله، ولكن الشكر أن لا تعصي الله بنعمه.” وهذا المعنى يؤكده قول النبي ﷺ: “من لم يشكرِ النَّاسَ لم يشكرِ اللَّهَ” 4، فالشكر يمتد أثره من علاقة العبد بربه إلى علاقته بالناس.
النعمة الأعظم وأفق القرب
كل نعمةٍ زائلة إلا نعمة القرب من الله. وإذا كان الإنسان يُحدِّث بنعمة رزق أو نجاح، فكيف بنعمة الهداية والإيمان، ونعمة بلوغ رمضان، ونعمة القدرة على التوبة؟
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: “ربَّ عملٍ صغيرٍ تعظّمه النيّة، وربَّ عملٍ كبيرٍ تصغّره النيّة.”
فالنعمة الأعظم أن يُرزق العبد قلبًا يعرف المُنعِم ويقصده.
خاتمة
إن تدبُّر نِعَم الله واستحضارها في الوعي اليومي ليس تمرينًا ذهنيًا عابرًا، بل هو مسارٌ روحيٌّ يفضي بالإنسان إلى القرب من المُنعِم. فكلما تأمل العبد ما أُحيط به من عطاء، انكشف له لطف التدبير، واتسعت في قلبه مساحة المعرفة بالله؛ ومع المعرفة تنمو المحبة، ومع المحبة يترسّخ التعظيم، ويتحوّل الشكر إلى عبادةٍ واعية لا عادةٍ متكررة.
وحين نُربّي أنفسنا وأبناءنا على استحضار النِّعَم بدل اجترار النواقص، فإننا نغرس فيهم علاقةً حيّة بالله، علاقة معرفةٍ تثمر محبة، ومحبةٍ تثمر طاعة، وطاعةٍ تثمر سكينة.
فمن عرف المُنعِم أحبه، ومن أحبه رعى حدوده، وحفظ عهده، وأحسن استخدام عطاياه. وهكذا تتحول النِّعَم من مظاهر خارجية إلى جسورٍ باطنية تصل القلب بربه، وتجعل الحياة – في رمضان وبعده – مسارَ قربٍ دائمٍ إلى الله.