هل أنت قفص بلا طائر؟

Cover Image for هل أنت قفص بلا طائر؟
نشر بتاريخ

كان لي عصفور اسمه “ميسو”، يطربنا بزقزقته المتوددة المليئة بتنوع النغمات والفرح والارتياح.. ألفناه وألفنا وآنسنا بتغاريده الطويلة والمتكررة. ذات يوم لم أسمع حركاته كالعادة عندما ترتطم جناحيه بأسلاك القفص، عند تفقدي له وجدت قفصه مغطى بثوب.. أتت ابنتي خديجة لتواسيني وتخبرني برحيل العزيز “ميسو”.. حملت جثته الصغيرة ودفنتها في تراب حديقة صغيرة، ثم وضعت قفصه بشرفة، حيث كانت تزوره عصافير على شاكلته، وإذا لم أخرجه لأصدقائه بسبب برودة الطقس، يتسللون من النافذة ليقوموا بزيارته.. محلقين ومزقزقين داخل فناء المنزل، منظمين اجتماعاتهم الخاصة مع “ميسو”، الله يعلم وحده ما يحكونه لبعضهم.
حين خمد صوت “ميسو”، وبقي القفص معلقاً في مكانه، انكشف معنى المشهد الصامت الناطق عبر إشاراته الناصحة: “أنت قفص بلا طائر”. ليست العبارة حديثاً عن طائرٍ حقيقي، بل عن لب الإنسان نفسه. نصيحة رمزية عميقة: القفص هو الجسد والدنيا، والطائر قلب الإنسان وما يحمله من همة وشوق ومحبة، والتحليق غايته سلوك إلى الله باقتحام العقبة إلى الله عز وجل.
الأعمال الجوارحية من عبادات وكلام وحركة وتعلم ومخالطة للناس مهما كثرت قد تفرغ من معناها الحقيقي إن لم يكن وراءها نية صالحة وحياة إيمانية تقربنا إلى الله عز وجل.. وما الطائر إلا رمز لأعمال القلوب، والإشارة أبلغ من كل عبارة.
جدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله عبر مختاراته ما كان ينصح به مولاي عبد القادر الجيلاني رحمه الله غلامه: “أنت قفص بلا طائر”. كان يتخولنا بهذه النصيحة البليغة عسى يتفقد الواحد منا نيته وقلبه وغاية وجوده في دار الدنيا ومدى استعداده للقاء الله عز وجل. كان رحمه الله يعتبر تداول هذا النوع من الوعظ النافذ إلى أعماق النفس الموفقة إلى وضع نفسها بنفسها في قفص الاتهام، هدية ثمينة.
“أنت قفص بلا طائر”. قفص لا حياة فيه، كجسد بلا روح، هل لدي استعداد لقبول هذه النصيحة؟ هل أنا من المنصوح لهم الذين يحبون الناصحين؟ أم من الذين استغشوا ثياب أنانيتهم وأغلقوا أذانهم واستكبروا استكبارا؟
الطائر يرمز إلى الروح، إلى السفر، والتحليق في الهواء.. ومن الطائر تعلم الإنسان كيف يدفن أخاه الميت، منه تعلم الحكمة وتفانى في خدمة دعوة الله الخالدة بصحبته لنبي الله سليمان عليه أزكى الصلاة والسلام.
من أولياء الله من كان يشبه الإنسان بطائر نزل إلى الأرض فقصت الدنيا من جناحيه وأصبح عاجزا عن التحليق! ولا سبيل إلى استعادة وظيفة طيرانه إلا بذكر الله والحب في الله والرجوع إلى الله.

الإشارة في قالب زماننا

إذا كان أهل الإحسان من الصوفية الأبرار طوعوا لغة الطيور الإشارية للتواصل مع النفوس الشريفة، كالغزالي والرومي والعطار والعز بن عبد السلام سلطان العلماء وعز الدين بن عبد السلام المقدسي وغيرهم من العلماء العاملين، ففي زمانهم كانت دار الإسلام تشكل قوة عسكرية ومركزية ثقافية عبر مدارس فقهية وحديثية حيوية وأصولية وكلامية كانت تمثل حصنا منيعا لحماية الشريعة ولكل مذهب نصيبه من الصواب رغم انحراف الأنظمة الحاكمة عن منهاج الخلافة الراشدة الأولى، فإن زمننا يقتضي استنطاق إشارات أخرى تواكب مستقبل أجيال “الخلافة الثانية” الموعودة ومستقبل الإسلام الأغر.
سبق للأستاذ محمد العربي طبلة رحمه الله أن قدم اجتهادا في الموضوع عبر عمل أدبي رفيع أخرجه في قالب مسرحية عنوانها: “إني رأيت يا أبت..” فكلم النحل الذي يرمز بطنينه وأزيزه إلى [زن.. زن.. زن] مذكرا إيانا بالميزان وبأصالة المسألة العدلية والشهادة بالقسط، واستنطق الكبش بثغائه [باع.. باع.. باع] مذكرا الناس بالبيعة في حقبة “الخلافة على منهاج النبوة” كيف كانت مبايعة وشورى والتزاما بين الحاكم والمحكوم، وكيف تحولت إلى بيعة الإكراه الوراثية مع بداية الانكسار التاريخي وتحول الخلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض.
إن الإحسان المنتظر تمثله في إمامة الأمة وطليعتها مشروعه أصيل وشمولي وأوضح من أن يلجأ إلى رمزية تضفي عليه غموضا، إحسان جهادي جامع بين القوة والأمانة يعمل أهله على الفوز بالله وإقامة الدين المحرر لكل المستضعفين ولأرض فلسطين الجريحة، لا دين الانقياد لإملاءات المتنفذين في الاستكبار العالمي.

ورقة يابسة سقطت من شجرة الحياة

“قفص بلا طائر أنت”، دعوة إلى اقتحام العقبة إلى الله بخوض غمار التجربة الإيمانية الإحسانية على منهاج تربوي نبوي ممانع للتسويق المعولم لروحانية فلسفية استهلاكية تريد يائسة إطفاء نور الإسلام وتستثمر في تنمية ذات الإنسان بروحانية مجردة من روح الدين وشريعته. من هنا البداية: “أنا قفص بلا طائر”.
تحققا بهذا الاعتراف يثمر خطوة أساسية في طريق الله عز وجل وفي اتباع سنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، كلما وجدت التوبة بيئة حاضنة للعزائم النفيسة والمطلب الغالي: طلب الزلفى والقرب من المولى عز وجل.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب “تنوير المؤمنات” وهو في الواقع تنوير للمؤمنين أيضا: “من لم تَلسعها لواسع الشوق إلى الله وهي في مقتبل العمر فهي “قفص بلا طائر”. من لم يغُمَّها الندم على شطر عمر انقضى لم تسع فيه للتحقق من أن الله عز وجل قريب مجيب يُحَبّ ويُحِب فهي أرض مَوَات. من أشرفت على القبر دون أن تعلَم وتتعلم أن الآخرة درجات، وأن من إماء الله من اكتملن، وأن العقلاء لا يلعبون بدينهم حين كتبوا «إحياء علوم الدين»، وحين دعوا إلى مأدُبة الله وباب القرب من الله، فهي ورقة يابسة سقطت من شجرة الحياة” 1. إنهم أولياء الله ينظرون إلى الكائنات الصغيرة بعينٍ بصيرتهم، فيصبح كل شيء عندهم قابل لأن يتحول إلى موعظة ترشد فهمهم عن الله عز وجل. عصفورنا الصغير فتح باباً للذكر والتدبر في معنى المصير، لعل وقفة أمام قفصه الفارغ تتحول في لحظة صفاء إلى سؤالٍ وجودي عميق: هل ما يزال الطائر حيّاً في داخلي؟ هل ما يزال القلب قادراً على التغريد؟ أم أنني انشغلت بتنظيف القفص، حتى نسيت الطائر نفسه؟ لقد رحل “ميسو”، لكنه ترك وراءه ما هو أعمق من ذكرى عصفور جميل؛ إنها صورةً مكثفة عن الإنسان حين يفقد قلبه. رحم الله صاحب هذه الهدية المخاطبة لكل قلبٍ يخشى أن يستيقظ يوماً، فيجد نفسه قفصاً بلا طائر”! قال في نظمه الوعظي” 2:

أَنْتَ مَنْ أَنْتَ مِنْ بَني الإنسانِ؟

زبَدٌ هائِمٌ بِلاَ أوْطانِ
قَفَصٌ فارِغٌ، غُثَاءٌ هَشِيمٌ

طَلَلٌ مُحْوِلٌ 3 عَلَى الأَزْمَانِ
رَمْلَةٌ ساقَها إلى البحرِ نَهْرٌ

نَمْلَةٌ أُخْسِرَتْ عَلَى المِيزَانِ
أنت إن مُتَّ قَبْلَ أَنْ يَصْحُوَ القَلـ

ـبُ فَيَرْكَعْ بِقِبْلَةِ الإيمانِ
كائنٌ تَافِهٌ بَليدٌ كَئيبٌ

سائِحٌ حائرٌ بِلا عُنوانِ
تِبْنَةٌ في لَهيبِ نارٍ تلظَّى

فَحْمَةٌ في مواقِدِ النّيرَانِ
صلِّ يا ربنا وسلِّمْ علَى مَنْ

قَدْ هَدَانا لِمَنْهَجِ الإِحسانِ

 


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج:2، ص:30.
[2] عبد السلام ياسين، المجموعة الشعرية الكاملة، قطف 600، ص:402.
[3] طلل محول: أثر للبناء بال قديم.