هرطقة النبوءات وأوهام الخلاص: من الوعد الألفي إلى عدوان الصهيونية المعاصرة

Cover Image for هرطقة النبوءات وأوهام الخلاص: من الوعد الألفي إلى عدوان الصهيونية المعاصرة
نشر بتاريخ

 إن ما نسمعه ويروج له الكيان الصهيوني ومعه الأم العجوز أمريكا من جعجعة تلموذية حول المسجد الأقصى، والمخلص، وخلاص اليهود في آخر الزمان، هو حصيلة ما صنعه التيار الديني الأصولي في الحركة الصهيونية على يد الحاخامات الرواد في الحركة منذ القرن التاسع عشر الميلادي.

 لقد لعب هذا التيار دورا رياديا في الدعاية للمشروع الصهيوني العالمي، وكان له السبق السياسي والفعلي في الهجرة والاستيطان في فلسطين عن طريق الاستعانة باليهود المتدينين. بل هو المشارك الأساس في التأسيس لكيان الاحتلال الحالي.  وهو اليوم يعتمد الأيديولوجية اليهودية المتطرفة القديمة المنسوبة لأسفار من (التوراة المحرفة) لتنفيذ مراحل المشروع الصهيوني خاصة بعد الطوفان المقدسي.

1- تلفيق ديني هجين

 أعلن الصهاينة وحلفاء الاستكبار استهداف المسجد الأقصى بالإغلاق، وفتح النار على إيران ولبنان واليمن، وهدد الحزب الصهيوني المتطرف بإعدام الأسرى. هذه حرب معلنة على كل مواضع القوة في المسلمين سنة أو شيعة، ولكل رمز لرسالة الإسلام والإيمان الخالدة.

بعد الطوفان المقدسي الذي كسر قواعد القوة العسكرية والسياسية، يتلون التحالف الصهيوأمريكي في فلسطين وفي مربعات المنطقة العربية. يلبس سياسة حربية خلعتها النبوءات، ويبرر الإجرام والمكر السياسي بفلسفة لاهوتية.

الهجمة على إيران ولبنان وغيرها، وتشديد التنكيل بالمقدسيين في غزة وأكناف القدس هو كتم لأنفاس “المقاومة” بكل أشكالها في الشرق الأوسط، ومحاولة لقطع براعم القوة الصاعدة في أمة الإسلام من الشرق إلى الغرب. مزاعم النبوءات والبقرات ومعتقدات التيار الصهيوني الإنجيلي المتدين، والدعايات التي يروج لها المشروع الصهيوني.. يتم تنفيذه بعجالة فائقة ضمن معتقدهم المزعوم (الحرب المخَلِّصَة لليهود لينفذوا إرادة الله في آخر الزمان)، وهي ما صرح به وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغيست” حين تحدث عن الحرب الحالية باعتبارها حربا صليبية ضد المسلمين سواء كانوا شيعة أو سنة 1.

لا ريب أن تتحرك الصهيونية العالمية بعد الطوفان وتكشف عن مرجع عقيدتها اللوثرية القديمة ليظهر تجذر اليهودية الصهيونية وتقمصها للنصرانية الصليبية منذ قرون خلت. تطمح اليوم إلى تقمص جذري لأمة الإسلام بشتى الأساليب.

 نقرأ في التاريخ أن مارتن لوثر احتفظ بالعقيدة الألفية اليهودية التي قرأها في توراتهم، والقائلة بأن شعب إسرائيل سينتصر في آخر الدنيا وستقوم دولة “صهيون” التي تدوم ألف سنة. وعقيدة البروتستانت، منذ نشأة ديانتهم، تقوم على أن إسرائيل الموعودة بالوعد الألفي هم اليهود العبريون 2.

المسلم المؤمن بالله ربا وبمحمد نبيئا ورسولا وبالإسلام دينا حين يتلو الذكر الحكيم المهيمن على كافة الكتب السماوية من إنجيل وتوراة وزابور يوقن بأن اليهود هم عباقرة التحريف في التاريخ بشهادة آي القرآن في مواضع شتى وسياقات عدة. هم أهل الاختصاص في التزوير على يد أحبارهم الكتبة، يقول الله تعالى: “مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ” [النساء: 46]. وفي الجرأة على الله تكذيبا وتدليسا لرسالة النبوة والإيمان يقول المولى البر عنهم: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 78].

لقد حرف اليهود التوراة والإنجيل، وهم من دسوا الأكاذيب والأساطير والتلفيق والخرافات والبهتان على الحق في أسفار وصحف الأنبياء صلوات ربي عليهم. فمتى كانت شرائع الأنبياء من قبل محمد صلوات ربي عليهم أجمعين تسوغ لإبادة الأبرياء، والتنكيل بالمستضعفين والعزل، أو الإفساد في الأرض والحرث وإهلاك النسل وتعتيم نور المساجد؟

2- قومية عنصرية لا دين لها ولا ملة

إن جنوح المشروع الصهيوني إلى السردية الدينية المتطرفة والمبنية على دعايات تلموذية محرفة هو استدعاء مكشوف لحقيقة ما قامت عليه الصهيونية، وهو العنصرية والقومية النتنة. إذن فالصهيونية الدينية التي تتبجح بإبادة غزة وتدنيس الأقصى وإعدام الأسرى، وتتلصص بالتطبيع على مقومات الأمة الحيوية بإيعاز من الأنظمة الحاكمة هي إجرام، وقوة العنف والعدوان ضد الإنسان والأرض.

لا دين للمشروع الصهيوني بعد أن كشف الطوفان المقدسي عن حقيقة إجرامه الشرس، مهما ألبس علوه الإفسادي جبة دين محرف مكتوب ليفتح جبهات الحرب ويزعزع استقرار المنطقة العربية. ليس بغريب ما نراه، فهم الذين نعتهم الله وذمهم بإلباس الحق بالباطل، وإخضاع النصوص الدينية لأهوائهم ومطامعهم التوسعية، يقول الله تعالى مهددا إياهم: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 42].

تظل هرطقة النبوءات والبقرات دعاية الهَلِعِ المتغلب بالسيف المتوجس خيفة من يقظة الأمة بأحرارها وشعوبها ووعيها بخبث مشروع الصهاينة وإفسادهم. يحضرني ما حبره الدكتور مصطفى العلام في مقاله التفصيلي للموضوع حين يصف النبوءات بأنها “حالمة يتم فرضها على الواقع بالحديد والنار وكثرة الحروب في الوقت الذي يتحدث فيه دونالد ترامب وزبانيته كذبا عن مجلس السلام في الشرق الأوسط” 3. إنها حالمة تشتري بالقوة والعنف وهم القوة الوجودية الأبدية، فلا غرابة في ذلك فهم يعربدون في أرض الله على غير هدى ولا غاية، وهو القائل وقوله الحق سبحانه وتعالى ملكه وسلطانه: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 36-35].


[1] هوس النبوءات التوراتية والإنجيلية ½. الدكتور مصطفى العلام منار الإسلام، 26 مارس 2026م.
[2] سنة الله، عبد السلام ياسين، ص115.
[3] هوس النبوءات التوراتية 2/2، د. مصطفى العلام، منار الإسلام، 28 مارس 2026م.