نساء اليرموك

Cover Image for نساء اليرموك
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

كرم الإسلام المرأة بأن حررها من كل قيود الظلم والجهل التي تحجب عنها نور الوحي، وتمنعها من الفعل والمبادرة، وأقر بدورها في المجتمع إلى جانب أخيها المسلم في التربية والبناء والدعوة، وقد سجلت الصحابيات سبقا في بذل المال والنفس والجهد في سبيل نشر الرسالة المحمدية، بعدما تشربت قلوبهن حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتعلقت هممهن بطلب وجه الله عز وجل، فتحملن مسؤولية الإسهام في التغيير؛ أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، تعبئة وجهادا، من أجل إرساء كلمة التوحيد وتبليغ الرسالة.

خطة استراتيجية تراهن على المشاركة النسائية

معركة اليرموك دارت رحاها في سوريا، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت ضد جيوش الروم والذين كانت أعدادهم هائلة – مقارنة مع عدد المسلمين – ومع ذلك ربط معظمهم بالسلاسل حتى لا يفروا إذا حمي الوطيس. وأثناء التخطيط للمعركة ارتأى أبو سفيان على القائد أبي عبيدة أن تخيم النساء في تل مرتفع، فعمل بمشورته، فأمرهن بذلك، ففعلن وعلون التل وحصن أنفسهن والأولاد والأطفال، “قال لهن أبو عبيدة: خذن أعمدة البيوت والخيام واجعلن الحجارة بين أيديكن، وحرضن المؤمنين على القتال، فقالت النساء: أيها الأمير أبشر بما يسرك” (1)، وقد تولى القيادة بعد ذلك خالد بن الوليد فأمر بأن ينتشر جيش المسلمين بين أذرعات والهرير. فهي خطة استراتيجية للمعركة تضع في الاعتبار إمكانية مشاركة النساء، لأن احتمال تولي المحاربين وارد أمام أعداد جيش العدو الهائلة، هي ثقة كبيرة يضعها كبار الصحابة في النساء مرجعها معرفتهم المسبقة بما تملكه النساء من خبرة ودربة بعدما شهدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم عدة مشاهد، فهن عارفات بما تتطلبه المعارك، لذلك كان ردهن على القائد بشارة الواثقات المتيقنات الفاعلات الحقيقيات: أبشر بما يسرك، فهل كن على قدر وعدهن؟

نساء اليرموك يشجعن ويحرضن المقاتلين وينازلن الروم

نعم الوفاء وفاء اليرموكيات، ونعم الرأي ما رآه أبو عبيدة، فقد كانت النساء المدد للمجاهدين، يداوين الجرحى ويسعفن، ويسقين الماء، وليست هذه المهمة بالسهلة في زمن لا إسعاف فيه ولا مستشفيات ميدانية، وفي يوم أصيبت أعين سبعمائة صحابي بسهام العدو، ولذلك سمي بيوم التعوير، “قال عبد الله بن قرط: فقلت في نفسي وكم مقدار ما يقاتلون هؤلاء وهم نفر يسير، حتى ساعدتنا النساء اللاتي شهدن مع الرسول صلى الله عليه وسلم المشاهد، يداوين الجرحى ويسقين الماء ويبرزن للقتال” (2)؛ اعتراف بمشاركة فعالة للنساء تجاوزت المداواة والإسعاف إلى منازلة العدو.

ومع ذلك فإن أهم دور قامت به النساء في هذه المعركة هو تحريض الرجال على الجهاد ومنعهم من التراجع، “وقامت الحرب على ساق، وتنادى النساء بأنسابهن وأمهاتهن وألقابهن، وجعلن يقاتلن قتال الموت ويضربن وجوه الخيل بالعمد ويلوحن بالأطفال، وجعل النساء بعضهن يقاتل المشركين وبعضهن يقاتل المسلمين حتى رجعوا إلى قتال المشركين” (3). فأمام زحف العدو بقواته وعتاده وإصابة العديد من المسلمين تراجع الجيش خاصة ميمنته، وهنا برز دور النساء – بعمدهن وحجارتهن وسيوفهن وحتى التلويح بأطفالهن – حيث وقفن أمام المنهزمين من المحاربين لتشجيعهم وردهم إلى ساحة الجهاد. “وجعلت ابنة العاص بن منبه تنادي: قبح الله وجه رجل يفر من حليلته، وجعل النساء يقلن لأزواجهن: لستم لنا ببعولة إن لم تمنعوا عنا هؤلاء الأعلاج” (4)، وأما خولة فكانت تنشد:

يا هاربا عن نسوة ثقات

لها جمال ولها ثبات

تسلموهن إلى الهنات

تملك نواصينا مع البنات

أعلاج سوق فسق عتاة

ينلن منا أعظم الشتات

صاحت النساء بمنثور الكلام ومنظومه ترفعن همم الرجال، ووقفن أمام الخيول والمقاتلين في شجاعة وبسالة من هانت في أعينهن الدنيا وتيقن بموعود الله عز وجل. فكان لوعظ الواعظات وشعر الشاعرات وقع واستجابة، فها هو الزبير بن العوام يرد على صحابية مستصرخة بأنصار الدين قائلا: “والله إني من أنصار الدين ولا يراني الله جالسا في مثل هذا الموقف” (5)، وأما خالد بن الوليد فقد أعاد ترتيب صفوف جنده قائلا: “ما كنت من المنهزمين وما كنا إلا لنقاتل الأعلاج” (6)، “ويقول الرجل لمن يليه: إن لم نقاتل هؤلاء، و إلا فنحن أحق بالخدور من النساء” (7).

 النساء يحرضن النساء ويستمتن في القتال

لم تقتصر المواقف البطولية للنساء على حث الرجال على الثبات، بل أيضا تحريض المتراجعات منهن، شجاعة النساء وقوتهن هي نتاج للدربة والمراس في معارك المسلمين. “فبينما هن يقاتلن وقد هجمت الرجال، إذ انهزمت نساء لخم وجذام وخلان، فخرجت خولة بنت الأزور، وأم حكيم بنت الحرث وسلمى بنت لؤي وجعلن يضربن في وجوههن بالعمد ويقلن أخرجن من بيننا فأنتن توهن جمعنا، قال: فرجعت نساء لخم و جذام يقاتلن قتال الموت” (8). لم ترض النساء بالانهزام فحرضن أخواتهن على المثابرة والاستمرار، فكانت الاستجابة شجاعة في المواصلة وقتالا مستميتا. همم عالية فرضتها الغايات السامية.

ظهرت في هذه الواقعة شجاعة وبطولة نساء أمثال أسماء بنت أبي بكر التي ربطت عنانها بعنان زوجها الزبير بن العوام فكانت تضرب كما يضرب، وأما خولة بنت الأزور فكانت تشالش بالسيف أحد الأعلاج حتى ضربها بسيفه على قصتها فأسال دمها فحملتها النساء إلى موضعها، لكنها فاجأتهن في الليل وهي تدور تسقي الرجال وكأن ليس بها ألم قط، “وأما أم حكيم بنت الحرث فقاتلت أمام الخيل بالسيف وكانت تنادي: يا معشر العرب احصدوا الغلف بالسيوف” (9). فالنساء في هذه المعركة قاتلن قتال الموت، وكسبن الرهان في معركة بدأت من أول النهار إلى أن فصل الظلام بين المتحاربين، وتابعن المهمة في الخيام بمداواة الجرحى ورعايتهم، وتولت أسماء بنت أبي بكر الحراسة مع زوجها الزبير رغم حرص أبي عبيدة على إعفائها، إلا أنها أبت إلا أن تعسعس حتى الفجر. فلله در نساء اليرموك.

 دروس وعبر

إن المتأمل في أحداث واقعة اليرموك يدرك عظم مشاركة المرأة المسلمة، حيث ركبت الفرس، وحملت السيف والعمد والحجارة، وخاضت الصفوف، وداوت الجرحى، فحققت مع الرجل النصر على الروم الذين خسروا المعركة إلى الأبد، حيث دخلت أرضهم حوزة الإسلام، فنالت المرأة بهذا النصر وسام الجدارة واستحقاق الثقة. فأهم العبر والدروس التي يمكننا استخلاصها من هذا الحدث المشرق في تاريخ الإسلام عامة والمرأة المسلمة خاصة هي:

– إذا أشرق نور الإيمان في قلب المؤمنة، تاقت لإرادة وجه الله ومصاحبة العدنان في الجنان، وعلت على سفاسف الدنيا وطمحت في طلب الكمال، لتقف إلى مصاف الرجال ممن أدركوا قيمتها ووثقوا بعطائها، فتجني في الدنيا ثمار النصر المبين وتنال عند الله الأجر العظيم.

– تحقق في هذه المعركة المعنى العميق للولاية بين المؤمنين والمؤمنات، ففي واجهة الجهاد حيث القتال واجب على الرجال دون النساء، كانت المؤمنات المدد لإخوانهن في معركة غير متكافئة ولم يجد الرجال حرجا في ذلك.

– اكتساب المسلمات الدربة والتجربة جعلتهن ينلن ثقة قواد المعارك ويعول عليهن في المنازلة.

– مهمة المرأة الأولى؛ رعاية الأسرة، لم تمنعها من اقتحام ساحة الجهاد حينما اقتضى الأمر ذلك.

– المرأة شاعرة وواعظة ومسعفة وجندية مقاتلة، لم تغلبها العاطفة أمام واجب الجهاد بل كانت تلوح بأطفالها لتستنهض همم الرجال.

– كان يمكن لنساء جذام ولخم أن ينسحبن ولا يكون في ذلك حرج عليهن، لكنهن تشجعن وتابعن حتى النصر، وهذا يدل على أن المرأة تقدر المواقف الصعبة وتحتاج إلى التحفيز.

– المرأة كانت في مستوى الحدث، وأبانت عن غيرة كبيرة على الدين لا تقل عن الرجل.

– الإسلام جعل المرأة تملك ناصية أمرها حسب ما يقتضيه الشرع، وتشارك في المواقع الكبيرة بإرادتها وبهمة عالية، فإذا كان عصر الفتوحات اقتضى جهاد المنازلة، فإن لكل عصر جهاده وساحاته التي تفرض منازلة خاصة بعد دربة ومراس، ولا يجوز أن تتخلى المرأة المعاصرة عن واجبها في ذلك.


-1- تاريخ دمشق، لابن عساكر، ج 2، ص 145.

-2- فتوح الشام للواقدي، ج 1، ص 217 و218.

-3- المصدر نفسه.

-4- نفسه، ص 213.

-5- نفسه، ص 208.

-6- نفسه، ص 213.

-7- نفسه، ص 217  و218.

-8- نفسه.

-9- نفسه.