مولد النّبي.. إيذان بمولد أمّة

Cover Image for مولد النّبي.. إيذان بمولد أمّة
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بقلم: ذ. أشرف طاهرية

يدور الزّمان دورته ليحطّ الرِّحال مجدّدا عند نقطة البداية، والأمّةُ متعبةٌ منهكة، تشكو جفاء أبنائها، وتَداعيَ أعدائها. وفجأة، يَنزل بنا الرّبيع النّبويّ، يَحمل معه دعوةً كريمة لخرق أسوار الزّمان، لنقف شهودا على مولد خير البريّة.

هنالك نُفِخت الرّوح وفاض الكرم، هنالك انكشف الأمر الخفي، هنالك تجلّى الرّحمن، هنالك المُنطلق والنّهاية. إنها اللّحظة الفارقة، لحظة مولد النّبي، ولحظة إيذانٍ بمولد أمّة.

جاء في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: “ذاك يومٌ ولدت فيه، ويومٌ بُعثت، أو أُنزِل عليّ فيه”، لنتأمل كيف جمع صلى الله عليه وسلم بين حدث مولده وحدث بِعثته.

قد يُحدد بعضهم تاريخ مولد الأمّة الإسلاميّة بدخول النّاس في دين الله أفواجًا، أو يوم نزول الوحي في غار حراء، وهو صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره، لكنّ تاريخ مولده، هو بلا شكٍّ إيذان بمولد الأمّة؛ فمولده إذْنٌ بظهور ما سبق له صلى الله عليه وسلم من تمام الاصطفاء، وما خُصّ به من كمال الفضل، ومن ذاك الفيض الرباني انبعثت أمّته التي هي أفضل الأمم.

إنها الحقيقة التي لا يجب أن تغفل عنها الأمّة أبدًا، حقيقة أن سرّ وجودها في وجوده عليه الصلاة والسلام، بِهِ كانت، ولن تكون -لا حاضرًا ولا مستقبلًا- إلا به صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى في سورة آل عمران: “لقد مَنّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين”، كانوا في ضلال مبين حتى جاء النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

إن ارتباط مصير المسلمين بنبيّهم هو ارتباطٌ وجوديّ، فلا فلاح ولا نصر ولا تمكين يُرجى إلا عبره صلّى الله عليهم وسلّم، فالأمّة أمّته أوّلًا وأخيرا، ومَن نازعه فيها خذله الله. ومتى تاه المسلمون عن حقيقة حضوره الدّائم بينهم، نالتهم سهام الزّيغ والخذلان؛ أورد الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه “طريق الهجرتين”، حديثا قدسيّا، يقول الله عزّ وجل فيه: (وعزّتي وجلالي لو أتوني من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، لما فتحت لهم حتّى يدخلوا خلفك).

لا بد إذن، أن يتجدّد حضوره صلى الله عليه وسلم في أمته، بحيث لا يغيب عنها مطلقا، فهي (الأمّة) حيّة ما حيِيَ فيها صلى الله عليه وسلّم، سُنّةً مهدِيّةً هاديةً، وذاتًا روحانيّةً شريفة مقدَّسة.

ما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يستوعبوا من جديد حقيقة هُويّتهم، حقيقة أنّهم مِنه عليه الصّلاة والسّلام، مِن الذّات الكريمة على الله، مِن سيّد الأوّلين والآخرين، من سيّدنا محمد بن عبد الله، هُم منه وجودًا ومددًا ونصرًا. إنه سبيلهم الوحيد للخروج ممّا هم فيه، لا باب أمامهم إلّا بابه صلى الله عليه وسلم، بنوره يستهدون، وبجاهه يستنصرون، وبمنزلته يستشفعون.

فاللهم بالمصطفى وبآله أزل الغُمّة عن هذه الأمّة.