من مفاتيح الاستقرار الأسرى وقضية تربية الأبناء عند الأستاذ عبد السلام ياسين

Cover Image for من مفاتيح الاستقرار الأسرى وقضية تربية الأبناء عند الأستاذ عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

أهمية الأسرة ومكانتها

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله رحمة واسعة دائمة: “جعل الله عز وجل حبلَ الفطرة ممتدا عبرَ الأجيال عن طريق الأمومة، مفتولا مُبْرَماً، شِقَّاهُ جسم الجنينِ ثم الطفل، وروحُ الطفل يحبو نحو الرجولة وينهض وله من قُدوة أمه وكلماتها البسيطة وإخبارها بحقائق وجود الله تعالى وخبر الآخرة زادٌ منه يستفيض عُمْرَه” 1.

تعتبر الأسرة لبنة أساسية من لبنات بناء المجتمع، وحلقة لابد من الاهتمام والعناية بها لمن يريد تغيير المجتمع والرقي به نحو معاني العمران الأخوي، حيث السكينة والطمأنينة والمودة والرحمة، والتضامن والتعاون والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. إن التربية الإيمانية الإحسانية داخل الأسرة تهتم بها الأم الحافظة للفطرة، الحافظة لحدود الله، تعلم الأبناء حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصحبهم وتحتضنهم. فالمرأة مفتاح التربية وسر التغيير، والأسرة هي المحضن والمسكن.

وإذا علمنا اليوم أن الأسرة تعاني التفكك وغياب قيم التضامن والتعاون والصبر والتحمل، وحضور العنف بكل أشكاله وأنواعه حتى أصبحت نسبة الطلاق عندنا مرتفعة بالمقارنة مع كثير من دول العالم، وذلك بشهادة جميع المنظمات والمؤسسات الرسمية و غير الرسمية المحلية والدولية. وظن كثير من الناس أن إصلاح الأسرة وضمان استقرارها، وإكرام المرأة وصيانة حقوقها، مرتبط فقط بالقوانين وإصلاح مدونة الأسرة، إصلاح ينسجم وروح الحداثة بما هي تحرر من الخصوصية وارتماء كلي في أحضان القيم الغربية.

الدعاء

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا 2.

إن إصلاح الأسرة وضمان استقرارها وتماسكها، مرتبط أشد الارتباط بطبيعة ما نؤمن به من قيم ومبادئ، وما نتربى عليه من أخلاق ومعاملات، وما نتعلمه من أفكار وتصورات عن الأسرة وعن عوامل استقرارها، فالله تعالى يعلمنا من خلال الآية السابقة أن أول مفتاح من مفاتيح استقرار الأسرة هو الدعاء، بما هو افتقار وتجرد من الحول والقوة، واستعانة بالله وطلب التوفيق والسداد منه، واستخارة واستشارة مع الله أن يختار لك الزوج الصالح ويجعل بينكم مودة ورحمة.

يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن تماسك الأسرة وصلاح الأبناء، يبدأ قبل كل شيء بالنية الصالحة التي ندخل بها مؤسسة الزواج والتي يجب أن نرعاها ونجددها باستمرار، ثم بعد ذلك استخارة الله تعالى واتباع توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختيار الزوج الصالح الذي يسترني ويعينني على نفسي حتى نبلغ معا أعلى مقامات الإحسان، وبعد التوفيق والسداد في الاختيار أدعو الله وألح في الدعاء بشكل دائم ومتواصل، في كل ليلة وعند كل سجدة، أن يؤلف الله بيني وبين زوجي، وأن يرزقني الصبر عليه وان يرزقه الصبر علي، مع حكمة التغافل عن الأخطاء وتجاوز العثرات، والإحسان في معاملة أهل الزوج وأصدقائه، الشيء الذي سيؤدي لا محالة إلى تقوية معاني المودة والرحمة والسكينة والطمأنينة داخل أسرنا.

وكذلك الأمر بالنسبة للذرية أو الأبناء، فالجميع اليوم يسأل عن كيفية تربية الأبناء حتى يكونوا صالحين، والله تعالى من خلال كتابه الكريم يعلمنا أن صلاح الأبناء مرتبط أشد الارتباط بصلاح الآباء وبدعائهم، والدعاء هنا عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل، الدعاء تفويض أمر تربية الأبناء إلى الله؛ فهو وليهم وهو خالقهم ورازقهم، الدعاء تهمم بآخرة الأبناء أكثر من التهمم بأمر دنياهم، الدعاء حرص كبير وجهاد طويل حتى يحب الأبناء الله ورسوله، الدعاء بذل للوسع واجتهاد في تربية الأبناء بالحكمة والموعظة الحسنة والهدية، حتى يصبح همهم اقتفاء أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “وإنك تجد أمهات الغثاء اللاتي ضيعن على مدى أجيال الجديلة المعنوية من ضفيرة الفطرة يعتنين بدقة بما يرضع الطفل ويلبس ويطيب. لكنهن عن نشأته الإيمانية ورضاعه الفطري في غياب مذهل. الجسم يدلل وينعم ويصان، والروح تربيتها سائبة ناكبة غائبة” 3.

المودة والرحمة

يؤكد الله تعالى من خلال قوله (قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ على طبيعة العلاقة وطبيعة المشاعر التي يجب أن تجمع بين الزوجين والأبناء، وما تقر به عين الإنسان وتطيب به نفسه هو أقرب شيء لقلبه و أكثر شيء يحرك عواطفه ومشاعره ويشتاق إليه في كل وقت وحين.

هذه طبيعة المشاعر التي يجب أن تكون متبادلة بين الأزواج والأبناء داخل الأسرة، وبالمحافظة عليها وتنميتها والرقي بها، تضمن الأسرة الاستقرار والسكينة والطمأنينة ويضمن الأبناء التربية الحسنة، أما مشاعر القسوة والجفاء والعنف فهي لا تؤدي إلا إلى تفكك الأسرة وضياع الأبناء.

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين في كتاب العدل: “طابت حياته وحياتها هنا لِمَا يَتَيَقَّنان من أنها عبورٌ إلى دار البقاء، فيأخذان نصيبَهما من نَعمة الدنيا دون أن يستعجلا ما هو من شأن الآخرة: النعيم المقيم. وباليقين المسبق والجزاء المحقق تطيبُ آخرتهما” 4.

الإمامة في الخير والصلاح

إذا كان الأبناء يرثون الصفات البيولوجية عن الآباء؛ من لون البشرة والشعر والعينين وطول القامة، فهم كذلك يرثون الصفات النفسية الإيمانية؛ من صفاء وطمأنينة ومحبة وصدق وتقوى أو لا قدر الله قلق وحزن وكآبة، ويقال كذلك أن الصفات البيولوجية وملامح الوجه بالنسبة للزوجين مع امتداد سنوات المعاشرة تصبح متشابهة، بسبب هذا التساكن حيث نفس البيت ونفس الطعام ونفس الشراب ونفس المناخ.

التأثير إذن حاصل لا محالة، الزوجة ستتأثر بسلوكات وأخلاق ومعاملة الزوج، كما أن الزوج سيتأثر بأخلاق ومعاملة زوجته، والأبناء يتأثرون بأخلاق ومعاملة الوالدين وبحالهم مع الله إما ذكرا وحضورا وقربا أو غفلة وبعدا، لهذا يقول الله تعالى: (َاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. إن أحسن وسيلة وأبلغ طريقة للدعوة إلى الله هي الدعوة بالحال، وأن تكون سباقا للخير والبر والصبر، تجعل من سلوكاتك وأفعالك أسوة لهم.

الدعوة محبة الخير للمدعو، وأولى الناس بالخير ومحبة الخير هم أزواجنا وذرياتنا وقرة أعيننا، يجب أن نكون بسلوكاتنا وأفعالنا ومعاملتنا مبادرين للخير سباقين إليه، لا نحّدثهم عن التقوى والصلاح وحسن الخلق فقط، بل نكون لهم مثالا في التقوى والصلاح وحسن الخلق، تقول الآية الكريمة: (واجعلنا للمتقين إماما).

يخبرنا الله تعالى أن من أراد لأهله التقوى والصلاح، فليكن لهم إماما في الصلاح والتقوى وكل أعمال البر والخير، يدلهم بحاله قبل مقاله على إمام المتقين الذي قال صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي” 5.

على سبيل الختم

إن معيار الخيرية وميزان التقوى والقرب من الله وعلامة حبه وعنايته بعباده الصالحين، أن يوفقهم إلى الإحسان في معاملة أزواجهم وأبنائهم وآبائهم وكل عائلتهم، معيار الخيرية أن تعم أسرنا السكينة والطمأنينة والمودة والرحمة، ميزان التقوى أن نكون بسلوكاتنا وأفعالنا ومعاملتنا مبادرين للخير سباقين إليه نعطي المثال لأبنائنا، علامة حب الله لنا أن نكون رحمة على أزواجنا وذرياتنا؛ نغمرهم بالمحبة والعطف والحنان، نتجاوز عن زلاتهم ونلتمس لهم الأعذار، ونحرص على إظهار محاسنهم والجميل من طباعهم.

من أجل تغيير المجتمع والرقي به لابد من تغيير الإنسان، ولتغيير هذا الإنسان لابد من تربيته وتنشئته على القيم الجيدة والمتجددة، تربية تدخله إلى عالم الإنسانية أو ما يسميه الأستاذ عبد السلام يــاسين رحمه الله “بأنسنة الإنسان”، وهذا الدور في الأنسنة وتربية الإنسان لا تقوم به في المقام الأول إلا المرأة، الكائن الذي يملك سر التغيير، حيث المستقبل لتغيير عميق شـــــامل، تغيير من داخل الإنسان، من تربية الإنسان، من تعليم الإنسان. التغيير أجيال، التغيير أمهات صالحات.

من يأخذ بيد هذه المرأة المسكينة المستضعفة التي تعاني من ويلات الفقر والجهل، حتى يعلمها ما معنى أن تكون أما صالحة؟ من يؤدي لهذه المرأة المسكينة حق الأمومة؟ من يشعر هذه المرأة التي تقول في خجل “أنا ربة بيت” أنها تقوم بعمل عظيم هو تربية الناشئة وبناء أجيال المستقيل وصناعة التغيير؟ من يُعَلّم هذه البنت المسكينة أن الحرية ليست هي التحرر من كل القيم والمبادئ وإطلاق العنان للشهوات؟ من يقول لها أن الحرية أول ما تعنيه هو التحرر من سلطة الغرائز والشهوات، وإشباعها بطرق تنسجم وهوية المجتمع والفطرة السليمة؟ من يخبر هذه البنت المسكينة أن لها هوية وخصوصية ينبغي أن تحافظ عليها؟ من يقول لهذه الشابة المنبهرة بالحضارة المادية أن مستقبل أجيال الأمة بيدها؟ فهي من تملك مفتاح التربية وسر التغيير؟ من يجيب هذه الشابة المسكينة عن أسئلتها المحيرة؟ أين أُسَرُنا؟ أين مدارسنا وبرامجنا التعليمية؟ كيف هو حال وسائل إعلامنا؟ أي مضمون لبرامجنا التلفزية؟

نسأل الله أن يحفظ نساء الأمة ورجالها ويؤهلهم لقيادة الأمة نحو مستقبل العدل والكرامة.


[1] عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ط 2018/3، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، ص 297.
[2] سورة الفرقان، الآية 74.
[3] المصدر نفسه، ص 298.
[4] المصدر نفسه، صفحة 281.
[5] حديث حسن صحيح.