كثيرا ما ينتابنا شعور بالتذمر والنفور ممن يتصف بالخفة والعجلة، ونميل إلى من هو رزين ومتئد، والتؤدة بما تحمل من معاني”الرَّزَانَة والتَّأَنِّي والتَّمَهُّل” 1 قد تكون خصلة فطرية وهبة ربانية، لأننا نجد بعض الأشخاص منذ طفولتهم أكثر هدوءا وصبرا من غيرهم، لكن، بالمقابل هناك من يستطيع أن يكتسبها بالدربة من خلال التربية والاقتداء بالنماذج الحسنة، وكثيرة هي الدراسات التربوية والعلمية التي أثبتت إمكانية تغيير سلوكات الأفراد عن طريق التعلم بالقدوة، وهو ما سبقت ودعت إليه السنة النبوية “المرء على دين خليله”، فالإنسان يتعلم سلوكات كثيرة من خلال ملاحظة الآخرين وتقليدهم، لذلك يمكن للشخص المتسرع أن يدرب نفسه على الصبر والتريث وضبط الانفعال حتى تصبح التؤدة عادة راسخة لديه. ولا جدال بين المسلمين أن النبي ﷺ يعد الأسوة المثلى للاقتداء به والاهتداء بهديه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21]، لذلك سيتم بسط بعض مظاهر التؤدة عند النبي ﷺ للاستئناس بها في حياتنا الاجتماعية عساها تسهم في تجويد سلوكنا.
1- الصبر
أول مظاهر التؤدة هو الصبر، ويعني المنع والحبس، كمنع النفس عن المعاصي وحبسها عن المنكرات، وكان النبي ﷺ مثالا عظيما في الصبر على الأذى، والصبر على الشدائد، والصبر في طاعة الله والدعوة إليه، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد، نذكر منها ما بلغنا عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةً، كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، قُلْتُ أَنَا: لَأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَارَرْتُهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ﷺ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَغَضِبَ، حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ” 2. والمغزى أنه إذا أوذي المسلم في سبيل الحق فعليه بكظم الغيظ، والتحلي بالصبر والتحمل، وطرد الشيطان الذي يستحثه على الغضب للنفس، ويستثنى من ذلك الغضب لله فهو مطلوب.
كما ثبت صبره وعدم عجلته ﷺ بالدعاء على أمته، وكان ذلك حين توجه ﷺ إلى ثلاثة زعماء من ثقيف ودعاهم إلى الإسلام، فلم يستجب له أحد إلى ما طلبه، بل وجد ما لم يتصوره من الجحود، والإنكار، والاستهزاء، والصد عن سبيل الله، وزادوا على ذلك أنهم آذوه وسلطوا عليه صغارهم وسفهاءهم، فرموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفتين ﷺ، فخرج من الطائف عائدا إلى مكة، وعن هذا اليوم تروي أمنا عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: “هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي! فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا“ 3. هنا تجلت تؤدة النبي ﷺ حين رفض الدعاء بالعذاب على قومه رغم استحقاقهم له لكفرهم وإذايتهم لنبي الله ﷺ، بل ودعا لهم ولذرياتهم بالهداية والصلاح، وهو الذي حدث حيث دخل أهل مكة والطائف في دين الله تعالى، وحسن إسلامهم، وكان منهم عظماء رفعوا شأن الأمة الإسلامية.
2- العفو
من معاني العفو في اللغة التجاوز والترك، كالتجاوز على الذنب وترك المعاقبة عليه، وهو دليل على الرزانة والتؤدة، لأن التسرع في إنزال العقوبة قد يكلف أحيانا أثمانا باهظة، وقد كان النبي ﷺ مثالا يحتذى في العفو، ولعل عفوه عن أهل مكة يوم الفتح لخير شاهد، نعم، عفا عن كفار قريش رغم كل الأذى والمكر والويلات التي ذاقها ﷺ وذاقها أصحابه على أيديهم أثناء مقام المسلمين في مكة، ولنتأمل: ماذا لو تمت تصفية جميع كفار قريش يوم فتح مكة؟ بم كان سيوصف الدين الإسلامي حينئذ 4؟
ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم النموذج في العفو، بل دعا إليه ورغب فيه، وبشر صاحب هذه الخصلة بمقام رفيع يوم القيامة، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِذَا وَقَفَ الْعِبَادُ لِلْحِسَابِ، جَاءَ قَوْمٌ وَاضِعِي سُيوفِهِمْ عَلَى رِقَابِهِمْ تَقْطُرُ دَمًا فَازْدَحَمُوا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: الشُّهَدَاءُ كَانُوا أَحْيَاءً مَرْزُوقِينَ! ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ، ثُمَّ نَادَى الثَّانِيَةَ: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَمَنْ ذَا الَّذِي أَجْرُهُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ فَلْيَدْخُلِ الْجَنَّةَ، فَقَامَ كَذَا وَكَذَا أَلْفًا فَدَخَلُوهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ” 5، فالعفو من أجَلّ ضروب فعل الخير، لكن القدرة على فعله ليست بالأمر الهين، خاصة على ذوي الطباع الحادة والنفوس المريضة، لذلك كان جزاؤه الدخول إلى الجنة بغير حساب، ومعلوم أن أهوال الحساب يوم القيامة تشيب لها الولدان، نظرا لما فيه من الأهوال والأحزان.
3- الرفق والحلم والرحمة بالخلق
الرِّفْق هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والألطف، وهو ضد العنف والجفاء. والحِلم بكسر الحاء هو الأناة، والسكينة، وترك العجلة، وضبط النفس عند الغضب مع القدرة على الانتقام، وهو عكس الطيش ويأتي بمعنى العقل أيضا. وقد كان النبي ﷺ أرفق الناس بالناس، وألطفهم عشرة، وألينهم معاملة، ولم يكن فظا غليظ القلب، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ” 6، ثم بين النبي ﷺ للأعرابي خطأه وأرشده إلى أن المساجد لا تصلح لشيء من هذه القذارة، وإنما هي لذكر الله عز وجل وللصلاة وقراءة القرآن الكريم.
والرفق من علامات محبة الله للعبد، فعن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْخُرْقِ، وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الرِّفْقَ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُونَ الرِّفْقَ إِلَّا قَدْ حُرِمُوا” 7. وبما أن النبي ﷺ هو حبيب الله، فلا غرابة أن ينال الحظ العظيم من هذه الخصلة، حتى أصبح معلما رفيقا ومتئدا حليما، إذا رأى الخطأ لا يستعجل التعنيف، وإذا رأى صوابا قابله بالمدح والترغيب.
بناء على ما سبق يتبين بأن التؤدة بما تحمله من معاني التريث والرزانة وضبط النفس، هي خصلة نبوية تجلت في أحوال النبي ﷺ، وفي أفعاله وأقواله، بفضلها دخل العديد من الناس في دين الله أفواجا، ومن أهم مظاهرها الصبر والعفو والرفق والحلم، والجميل أنه يمكن اكتسابها وتنميتها إلى أن تصير أسلوب حياة، فيصبح المرء قادرا على أن يفكر قبل أن يتكلم، ويتأنى قبل أن يحكم، ويتريث قبل أن يتخذ قراراته، فتغدو حياته الاجتماعية أكثر توازنا ونجاحا.
[2] أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الصبر على الأذى، رقم: 6100، واللفظ له. ومسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، رقم: 1062.
[3] أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم: 3231، واللفظ له. ومسلم في الجهاد والسير، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين، رقم: 1795.
[4] ويستثني من ذلك “مظالم يمكن ردها من الأموال المبتزة، والأراضي المغصوبة، والمناصب المحتلة بالمحسوبية، والقضايا المحكومة بالرشوة. وليس من العنف ولا منافيا للعفو أن يطرد من الساحة العامة سدنة الفساد من سياسيين، وموظفين، ومهرجين. وباب التوبة مفتوح على كل حال ” عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص334.
[5] أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم: 1998.
[6] أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم: 220.
[7] أخرجه الطبراني في الكبير، رقم: 2274، ورواه مسلم مختصرا بلفظ: «من يحرم الرفق، يحرم الخير» في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم: 2592.